الوهابية من تاني.. واعتذار متأخر

18:32 2019-05-14

عزة كامل

بعد انطلاقها من نَجْد، المنطقة الصحراوية الفقيرة التى تعيش على الهامش فى قلب شبه الجزيرة العربية فى القرن الثامن عشر الميلادى على يد محمد بن عبدالوهاب، عملت الحركة الوهابية على تغيير أنماط التدين فى العالمين العربى والإسلامى، ودفعها نحو السلفية، وخصّت نفسها بالإيمان والتوحيد الخالص، فيما نعتت البقيّة بالجاهليّة والكفر.

ولدت هذه الحركة فى الهامش، وفى فضاء جغرافى بعيد عن الحواضر الكبرى، وفى بيئة اجتماعية سادت فيها سمات القسوة، مما جعلها قوّة لتمرّد الهامش على المركز، والبداوة على الحضارة، وتصدير قيم الانتماء القبلى والعشائرى على قيم الانتساب إلى المدن والحواضر.

وعندما أصبح الحج تحت سيطرة الوهابيين، سمح لهم بنشر أفكارهم وتمكين دعوتهم من أن تخرج من سياقها البدوى إلى سياقات أممية عابرة للحدود، وقد شق المد الوهابى طريقه إلى مصر فى بدايات القرن العشرين، وليس مع هجرة المصريين إلى الخليج فى منتصف السبعينيات - كما هو شائع - وكان ذلك عن طريق محمد رشيد رضا، وكانت مجلة المنار التى يصدرها منبرًا لأفكارها ومعتقداتها.

ولكن لم يكن آنذاك للأفكار الوهابية أى تأثيرات ملحوظة فى المجتمع، فقد تصدى لها تنويريون كبار، وعلى رأسهم الشيخ الشاب على عبدالرازق، وهو امتدادٌ للإمام محمد عبده، لكن الوهابية حظيت بدفع كبير على يد مؤسس الإخوان المسلمين فى مصر حسن البنا، وتم توطين وترسيخ الفكر الوهابى بكل أصوليته وبداوته بفعل القوة التنظيمية، واستخدام الإرهاب الفكرى والمادى فى قمع المفكرين والمخالفين للرأى، والذى يميّز جماعة الإخوان المسلمين.. وسرعان ما انتقل المنهج الوهابى إلى مصر من خلال سيطرة الإخوان والسلفيين على الأزهر، ومنه إلى العالمين العربى والإسلامى، وصار البعض فى الأزهر مفرخة للأفكار التكفيرية والأصولية المتشددة بقوة، حتى لم يعد هناك جماعة إرهابية تخلو من شخص كان قد تلقى تعليمه فى الأزهر، وأفرخت الوهابية جيلًا من الشيوخ الذين احتكروا «فهم وتفسير النص الدينى وفقا لأهوائهم»، ومكّنت أصحاب الفتاوى من تكريس سلطاتهم وفرضها بالقوة، وإغراق المجتمعات فى مستنقعات من الفتاوى الكريهة، وبذلك أصبحت الوهابية حركة ظلامية سلطوية منغلقة على ما بداخلها من ثوابت تعزز الاتباعية والأبوية والفردية.

وعندما ذهب المصريون إلى المملكة السعودية فى نهاية السبعينيات، امتلأت عقولهم بالأفكار الوهابية، وعادوا محمّلين بأنماط التديّن المتطرف، وبالقيم الوهابية التى اخترقت جسد الثقافة المصرية وغيّرت ملامحها، وقُضى على الوسطية التى تميزت بها مصر كحضارة وتاريخ.

عن المصري اليوم

كلمات دلالية

اخر الأخبار