ذكرى النكبة ونكبة التطبيع

22:21 2019-05-15

جيهان أبو شمالة

جيهان أبو شمالة

تباغتنا هذه الأيام الذكرى ال71 على ضياع الوطن الفلسطيني ونكبته, هذه النكبة التي طالت مختلف مكونات الوطن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والحضارية, حيث تم الزج بأكثر من 750 ألف فلسطيني ليُكتب على جبينهم (لاجئين) حتى اللحظة.
وعلى الرُغم من إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة للقرار 194 والذي يتضمن وجوب العودة والتعويض لهؤلاء اللاجئين؛ إلا أن تطبيق هذا القرار يبدو لم يحن بعد, بسبب الإرادة الدولية التي لا همّ لها سوى ضمان أمن واستقرار المحتل الإسرائيلي,, هذا الأمن الذي حتماً سيتذبذب بمجرد تطبيق هذا القرار, بل ومن الممكن أن يكون إنهاء هذا الاحتلال أحد تبعات تطبيقه.
إذاً الإرادة الدولية المهيمنة والمتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية متبوعةً بمن يدور في فلكها,, حريصة كل الحرص على دوام وبقاء المحتل الإسرائيلي, لذا كان لابد لها من نسج شبكة من الحماية الإقليمية لضمان استمراريته وبقائه.
أهم مرتكزات هذه الحماية هو تفعيل حالة التطبيع العربي_ الإسرائيلي وإظهارها على الملأ كأمر اعتيادي الوقوع, بل ويصل حد الفريضة على الأنظمة المحيطة مقابل الدعم السياسي والعسكري ضد أي زحف إيراني أوغيره في المنطقة,, وبناء على ذلك قامت الإدارة الامريكية برئاسة "دونالد ترامب" بتكثيف كامل عتادها السياسي والدبلوماسي للضغط من أجل حماية الأمن الإسرائيلي كحالة مرتبطة بشكل وثيق بالأمن الأمريكي.
أكثر خطوات إدارة "ترامب" عنجهية كانت في ديسمبر 2017م حيث الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة ل "إسرائيل" في ظل صمت اسلامي عربي مطبق للتأكيد على أخطر درجات التطبيع من حيث المساس بقبلة المسلمين الأولى,,, ومن ثم تبعت تلك الخطوة خطوات أخرى داعمة كالانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة يونيو 2018م, وبالتالي أصبحت الفرصة مهيأة لتقوم بوقف مساعداتها المالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في محاولة مقصودة لتذويب حق اللاجئ الفلسطيني. ولا يزال الصمت الدولي والعربي سيد الموقف. ومؤخراً قام "ترامب" بإعلان السيادة الإسرائيلية على الجولان السوري مارس 2019م بعد احتلال دام 25 عاماً؛ تلك البقعة التي تشكل موقعاً استراتيجياً هاماً في المنطقة بشكل عام, وضرورياً للأمن الإسرائيلي بشكل خاص , بل ويعظم من حالة الردع العسكرية التي يفرضها المحتل الإسرائيلي في فضاء العالم العربي برمته.
وقد تجلت أكثر صور التطبيع وضوحاً في مؤتمر "وارسو" فبراير 2019م حين جلس نتنياهو على الطاولة ذاتها مع الزعماء العرب بشكل ممنهج لسياسة الاستقطاب العلني لهم. والهدف المؤكد لهذه السياسة هو الالتفاف على الإرادة الفلسطينية وتهميش الدور الفلسطيني.. والشراكة مع الأنظمة المحيطة لتصفية القضية الفلسطينية وانهاءها بشكل يليق بالغطرسة الإسرائيلية.
أضف إلى التطبيع السياسي هناك التطبيع الاقتصادي والأمثلة عليه لا تنتهي, وسأذكر على سبيل المثال لا الحصر الدعم الإماراتي لتمويل مشروع أنبوب الغاز بين إسرائيل وأوروبا والذي كلفها قرابة ال 100 مليون دولار, والكثير الكثير من العقود الإسرائيلية العربية الداعمة للاقتصاد الإسرائيلي بشكل أساسي.
من خلال ما سبق ننتهي إلى أن سلاح التطبيع هو أداة صامتة ناعمة من الدرجة الأولى ولها وقعها الفتاك الذي يفوق الحروب ويفعل ما لا تفعله الأسلحة العسكرية,, من حيث الاستدارة على أصحاب القضية الفلسطينية وتقويض مواقفهم فيما يتعلق بصراعهم مع المحتل هذا من جهة ,,, من جهةٍ أخرى تتفلت إسرائيل من خلاله من كل قيد دولي أو قانوني أو سياسي حيث أن التفاعل الإقليمي العربي معه يوصله إلى كل مساعيه دون عناء يُذكر,,
وبذا يبقى التطبيع نكبة فوق نكبتنا الأولى.

كلمات دلالية