رحلة محفوفة بالمخاطر

19:44 2019-06-25

عبد الله عنتار

كانت انطلاقتنا أنا ورفيقي زيدان من مدينة الرباط يوم الأربعاء 17 يونيو 2019 صوب قبائل آيت بوكماز، وكان من اللازم أن نمر من عدة مدن أهمهما المحمدية و الدار البيضاء وخريبكة وبني ملال، وعدة قرى وقبائل أهمها أولاد حريز والسماعلة وبني سمير، وهي مجموعة من القبائل تستوطن منبسط الشاوية وتادلة، وتميزت رحلتنا بعدة مراحل:
المرحلة الأولى: من الرباط إلى بني ملال
تركنا الرباط خلفنا بصخبها وعنفوانها، واستقبلتنا سهول بوزنيقة تضارع البحر، ولاح في البعيد مجموعة من المزارعين يتحلقون حول حصادة تحصد أحد الحقول الزراعية، وهم يحملون (الخيش)، وعلى الضفة اليمنى لوادي نهر النفيفيخ لفتني مجموعة من الرعاة يطاردون مواشيهم التي تاهت وسط الغابة، وبعد ساعة من الزمن وجدنا أنفسنا وسط زحمة البيضاء، وتلقب هذه المدينة بالمتاهة. وكم فرحنا حين خروجنا من هذه المدينة السوداء . وهكذا بعد برهة من الزمن كنا قد وصلنا إلى قبائل أولاد حريز، وتتحلق هذه القبيلة حول مدينة برشيد وترجع أصولها إلى بني سليم الذين أتى بهم السلطان الموحدي من المشرق العربي بعد القضاء على الدولة البورغواطية في القرن 12م، يمارس أولاد حريز الزراعة والرعي في أرض خصيبة تسمى بالتيرس .
خرجنا من أولاد حريز واستقبلتنا مدينة خريبكة، وقد تأسست هذه المدينة عام 1923 أثناء اكتشاف الفوسفاط، ورغم الغنى الفاحش للمدينة، فإن ظاهرة التسول مستفحلة بين سكانها، وقس على ذلك مدينة وادي زم، تلك المدينة التي تأسست فوق ثروة هائلة من الفوسفاط، ومن قبائل خريبكة التي مررنا فوق ترابها أولاد عبدون، بني سمير، السماعلة، ويمارس أهلها الرعي والزراعة فوق تربة ضعيفة الخصوبة إلى جرداء تعمها الأحجار المتراكمة .
وقبل أن نخرج من أرض ورديغة، لاحظت بيوتا حجرية لمجموعة من العزابة الذين شيدوا بيوتهم في الأقاصي البعيدة عشقا للطبيعة وبعيدا عن ضوضاء المدينة، كم حسدت هؤلاء الرعاة Ị كان أحدهم يركب البغل وتمضي خلفه القطعان في جو رومانسي رائع .
وصلنا ليلا إلى مدينة ملال، كانت ساخنة، بتنا فيها وفي الغد أكملنا طريقنا.
المرحلة الثانية : من بني ملال إلى أزيلال
يقول المؤرخ الناصري أن جابر بن جشم هو أب ملال وورديغ و صالح والد الفقيه، ولذلك ارتبط تأسيس مدينة بني ملال بشخص، ولقد تأسست هذه المدينة في القرن 19، وبالضبط في سنة 1883 وكانت تسمى بقصبة بن الكوش، وعرف عن أهلها بالزراعة والقنص والرعي، وصارت منذ سنين قليلة عاصمة لجهة بني خنيفرة وترتفع على مستوى البحر بحوالي 538 متر. ومن خلال ملاحظة أولية اتضح لي أن المدينة نظيفة وهناك عناية بالأرصفة والطرق.
وقبل أن نصعد إلى الجبل في صباح اليوم الموالي، مررنا من قرية أفورار وجاءت هذه التسمية من كلمة تافوري الأمازيغية وتعني البقعة التي لا ينبت فيها الشعر في الرأس والأمر كذلك بالنسبة للمجال الجغرافي الذي تقع فيه قرية أفورار . كان الصعود صعبا عبر عدة منعرجات وخلال عشرات الدقائق وصلنا إلى سد بين الويدان، وابتدأت الأشغال في هذا السد عام 1948 وانتهت حوالي عام 1953م، ويصل علوه إلى 132 متر وعرضه يصل إلى 290 متر، ويقوم السد بتجميع مياه نهري أحنصال ونهر العبيد، وبعد صعود طويل تخللته الكثير من التعرجات كنا قد وصلنا إلى مدينة أزيلال.
المرحلة الثالثة: من أزيلال إلى آيت بوكماز
تعني أزيلال باللغة العربية قمة المرتفع وتتموقع بالأطلس الكبير الأوسط، وتتوفر على ثروة طبيعية هائلة مثل الغابات والمياه، كما تتوفر أيضا على تراث ثقافي غني مثل الأغاني والآثار والمخطوطات والنقوش التي تركها السكان القدماء . إن أهم شيء لفتني في محطة أزيلال هو تنظيمها المحكم، لكنها تعاني من بعض المشاكل، لعل أهمها هو انتشار ظاهرة التسول في صفوف الأطفال والنساء والعجزة . تناولنا الغداء وبعد ذلك، ركبنا سيارة النقل المزدوج رفقة مجموعة القرويين، كانت الطريق جيدة من أزيلال إلى آيت امحمد، وعلى حاشية الطريق ينبت السنديان والبلوط ويشيد الأهالي مجموعة من الكراكير كحدود بين القطع الأرضية، كما يقيم القرويون بعملية الدراس مستعينين بالدواب التي تدور حول البيدر .
تتموقع قبيلة آيت محمد قرب مجرى مائي ضعيف، وتنقسم إلى عدة دواوير وأهمها دوار برنات واورى وتاسمرت وتدخل هذه القبيلة من حين لآخر في صراع مع قبيلة أيت صحا حول المراعي . تركنا آيت محمد على يسارنا وسرنا في طريق سيئة تحفها التواءات حادة، ولفتتني عدة منازل حجرية وبعض النسوة اللواتي يقمن بتصبين ملابسهن.
وفي طريقنا صادفنا الكثير من الرعاة في اتجاه مجال قبيلة آيت عباس، تتموقع هذه القبيلة أعلى نهر آيت بوكماز، يتم تنظيم السوق الأسبوعي يوم الاثنين، ولاحظت أن المكان الذي ينظم فيه السوق غير نظيف، خرجنا من قبيلة آيت عباس وتوجهنا إلى قبيلة آيت بوكماز، وخلال لحظة من الزمن تراءت واحة آيت بوكماز ولاحت في البعيد قصبة سيدي موسى التي تمتد زمنيا إلى 430 سنة وتصنف كتراث عالمي من طرف اليونسكو، ولقد تنفسنا الصعداء بعد أن قطعنا هذه المنعرجات الخطيرة التي تمتد على مسافة 78 كلم، وفي هذا السياق أخبرني أحد سكان قبيلة آيت بوكماز ويدعى أحمد بأن هذه المنعرجات لطالما أخافت المصطافين، فامرأتان على سبيل المثال بمجرد ما وصلتا إلى آيت بوكماز سادهما الرعب من هول الطريق الملتوية وغير المجهزة، وهذا ما قاله لنا سائق النقل المزدوج الذي وصف لنا الكثير من الحوادث التي تقع في هذه الطريق، وعلى السائق أن يكون محترفا حتى يتفادى حوادث السير.
تتوفر قبيلة آيت بوكماز على عدة مآوي للسياح بمواصفات تراعي هندسة المكان، وقد تصل إلى 22 مأوى، واللافت أن مجال آيت بوكماز يعمه صمت جليل ومناظر رائعة وسط أشجار الجوز والتفاح واللوز، إضافة إلى المنظر الخلاب للجبال المترامية وخاصة جبل مكون الذي يصل ارتفاعه إلى حوالي 4068 متر . أخبرني أحمد أنه لطالما كان جبل مكون محط صراع بين مسؤولي إقليم أزيلال وإقليم ورزازات حول عائدات السياحة بالنظر إلى أنه يقع على الحدود بين الإقليمين، كما تكلم أيضا عن الصراع حول المراعي بين آيت بوكماز وآيت بولي، فأهل الوسط الذين هم آيت بوكماز لطالما كانوا في صراع مع أهل الغنم الذين يسكنون مع مواشيهم في أعالى الجبال، وفي قرية تبانت التقيت مع شاب من آيت بولي، وحكا لي أن القبيلة تستقر طيلة الصيف في الجبال نظرا لوفرة الأعشاب والمياه وفي الشتاء يرحلون بمواشيهم إلى الأراضي المنبسطة كما تعمل قبيلة آيت عطا، وبالضبط إلى سوس، ولذلك فآيت بولي رحل يمارسون الانتجاع، بينما آيت بوكماز يمارسون حياة الزراعة والاستقرار . وعموما تشيد قبائل آيت بوكماز منازلها على شكل تابوت وهو شكل يعتمد على دك التراب في إطار خشبي مستطيل وتغطية السطوح بالقش والقصب وطلائها بعجين من طين ممزوج بالتبن ليكون سميكا وقادرا على مقاومة الأمطار والثلوج. ولا يفوتني أن أذكر أن منطقة آيت بوكماز تتوفر على مواقع جيولوجية هامة مثل الهيكل العظمي للديناصور والذي يرجع تاريخه إلى حوالي 164 مليون سنة، بالإضافة إلى الرسومات الصخرية التي مضت عليها 4000 سنة .

كلمات دلالية

اخر الأخبار