حين يكون سَلاماً بلا خيل..!؟

تابعنا على:   10:04 2019-12-07

طاهر المصري

أمد/ (في أجواء قلق ومخاوف يعيشها الأردنيون، نتيجة لظروف معيشية صعبة، وغير مسبوقة، فإنّ تداعيات إجراءات إسرائيل بضم مستوطنات الضفة الغربية، وجعل القدس الكبرى عاصمة إسرائيل، وضم غور وادي الأردن الفلسطيني في الشمال، وهضبة الجولان السورية، تأتي كتطورات خطيرة للغاية. ما يجعل الأردنيين، كل الأردنيين، يتحسّسون الخطر على كيانهم وهويتهم ومستقبلهم وثقافتهم. وما يفرض علينا جميعاً الوقوف سداً منيعاً، ويداً واحدة، في مواجهة ما هو قادم من مشروع صهيونيّ، أكلَ بالفعل الثورَ الأبيضَ، ويستعدّ بنَهمٍ لالتهامِ الثورِ الأسود..! ذلك أنّ أي انقسام جهوي، أو غيره، في المجتمع الأردني، سوف يجعلنا لقمة سهلة في يد المشروع الصهيوني الموجه لشرق نهر، باعتباره جزءاً من وعد بلفورهم العتيد. وهو أمر تسعى إليه إسرائيل والمسيحيون الصهاينة، بانتظار أن يكملوا الإطباق على فلسطين التاريخية، ليقوموا بتنفيذ الشق الأردني من مشروعهم).

هُم وَحدَهم مَن يتحمّلون مسؤولية ومغامرة إفساد مفهوم (الأرض مقابل السلام)، الذي كان أساسَ تسويتَي مدريد، في الجانبين الأردنيّ والفلسطينيّ، المتداخلين عضويّاً. فلَا (أرضاً) أبقوا، ولَا (سَلاماً) حفظِوا، أو صَانوا، أو سَعوا إلى تَكريسه وتطويره وصناعته..!؟ فإغلاقُ الحدود على الفلسطينيين، وتقويض أسس تسوية الصراع، وإغلاق الآفاق في تحرّر الفلسطينيين وانعتاقهم، بتكوين دولتهم المستقلّة، هو في الجوهر إلغاء لكلّ مبادئ ومضامين التسويات التي حدثت في المنطقة، من كامب ديفيد إلى وادي عربة، مروراً بأوسلو. وعلى الطرف الإسرائيلي، ومَن يسانده، أن يتحمّل وِزرَ وجريرةَ الهاوية والجحيم، الذي تندفع إليه المنطقة..!

ونحن في هذا الوطن العربيّ الأردنيّ؛ حيث أنّنا شركاء أساسيين في الجزء الخاص بالتسوية النهائية، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ويَعنينا بنفس الدرجة التي تَعني الفلسطينيين أنفسهم، لأنّها مرتبطة بمصيرنا ووجودنا؛ وبعيداً عن أيّ وهم، فإنّني أسمح لنفسي بالقول:

إنّ القرار الإسرائيلي الأخير، بالبدء بضمّ الأغوار الفلسطينية إلى دولة العدوان الإسرائيلي، وكذلك تصريح وزير الخارجية الأميركي الأخير بومبيو، باعتبار أنّ قرار ضم إسرائيل للمستوطنات في الضفة الغربية مسألة لا تتعارض مع القانون الدولي..!، هذان القراران، إذا قُيِّضَ لهما أن يتمّا، وأن يكتمل تطبيقهما على الأرض، فإنني أقول: إنّ ذلك سيغيّر وجه المشرق والمغرب العربيين، استراتيجيّاً، لحقبة تاريخية طويلة قادمة؛ كما أنهما، وبصرف النظر عن كارثيتهما للفلسطينيين ومستقبل قضيتهم، يَعنيان ليس فقط قطع التواصل البرّيّ المباشر والكامل مع ما تبقّى من الأراضي الفلسطينية، ومستقبل الوجود العربي فيها فحسب، بل قطع التواصل البرّي الوحيد والممكن، بين عرب المشرق في آسيا، وبين عرب المغرب في إفريقيا؛ بعد أنّ عطّل قيام دولة إسرائيل في العام 1948 ذلك التواصل عبر أرض فلسطين التاريخيّة. فإعلان بومبيو الأخير، جاء تتويجاً للإجراءات الإسرائيلية، التي تستهدف تهويد الأرض والتغلّب على مشكلة الديموغرافيا، التي سارت تاريخيّاً لصالح العرب الفلسطينيين.

وهنا أسأل: ألَيست تلك الخطوة المزدوجة هي أخطر، في جوهرها، من تضمين وعد بلفور لصكّ الانتداب البريطاني على فلسطين وشرق الأردن، في مطلع عشرينيات القرن العشرين، ومن الثلاثين عاماً، التي استغرقتها بريطانيا (1918_1948)، في صناعة نواة الوطن القومي اليهودي في فلسطين..؟ فذلك الوعد المشؤوم (1917)، وكذلك قرار التقسيم (1947)، وما تمّ تقديمه بينهما من مشاريع تسويات، لم تكن تتضمّن قطع ذلك التواصل البرّي بين شَقّي الوطن العربي، حيث بقيت مقترحات إقامة ذلك الوطن اليهودي محصورةً في أجزاء وجغرافية فلسطين الشمالية والغربية، ناهيك عن التخليص المبكّر للمنطقة العربية الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن من أن يشملها وعد بلفور.

واليوم، برأيي، إنّ كلّ حقائق السياسة، التي تمّ فرضها قسراً على بلادنا والمنطقة، تقضي بضرورة إعادة تعريف المفاهيم السياسية، التي استخدمناها ونستخدمها، في توصيف حياتنا وأحوالنا الكارثية العربية، وخصوصاً في المضامين الفاصلة بين مفهومي (التسوية) و(السلام)، بل وإعادة تقييم مسيرتنا وقراراتنا، حيث أخطأنا وحيث أصبنا. ذلك أنّ التسويات تُعقد، في كلّ الأزمنة، بين الأعداء والخصوم، فمنها ما ينجح في تحويل الأعداء إلى أصدقاء، إذا تمّ تطويرها كأساس لمعالجة جذور الأزمات على نحو منصف نسبياً، فتتحوّل عندها (التسوية بين أعداء) إلى (سلام بين أصدقاء). ومنها ما يفشل، من تلقاء نفسه، إذا لم ينجح الطرفان بتطوير (التسوية الأولية) بينهما إلى (سلام)، من خلال التدليس على النفس وعلى الآخر، بترويج تلك (التسوية الأولية) على أنّها هي (السلام المنشود)..! أليسَ هذا ما فعله الطرف الإسرائيلي بمعاهدة وادي عربة.

كما أتساءل أيضاً: ألم تستعمل إسرائيل عبر خمسين عاماً من الاحتلال كل أنواع التعذيب والتشريد، ومخالفة حقوق الإنسان بشكل فاضح، واستعملت كل أنواع السلاح وحتى الإبادة الجماعية، وخالفت ورفضت كل قرارات الأمم المتحدة بكافة إداراتها، وأنشأت كل أدوات وعناصر وسياسات الإذلال والترهيب للعرب..؟! إنّ أرقام انتهاكات إسرائيل في كل مجال هي أرقام مذهلة. ومع ذلك لم تقدم أيّ دولة طلباً واحداً للجمعية العامة لمحاسبة إسرائيل، على أساس من شرعة الأمم المتحدة، ولم يجرؤ أحدٌ على استخدام الفصل السابع في فرض أي عقوبات عليها.

والوقائع تقول: إنّ إسرائيل نفسها هي التي جعلت من التسويات الأولية، التي عقدتها مع أعدائها، تسويات فاشلة، وكَسيحة، وعاجزة عن الارتقاء إلى مرتبة (سلام حقيقي) بين الشعوب والدول، حيث ظلّ الأعداءُ أعداءً في الجوهر، ومتصالحين باتفاقيات تسوية في الظاهر، ومن دون القدرة على الارتقاء إلى علاقات سلام طبيعية، دولاً وشعوباً، ولهذا أسباب كثيرة يكمن جوهرها في طبيعة المشروع الصهيونيّ التوسّعية والإلغائية، ونَهمهِ المتواصل؛ والمستقرّ في أذهان الناس في الشعار العتيد: (أرضُكِ يا إسرائيلُ من الفرات إلى النيل)..!

والحقُّ أقول: إنّه حين اتخذت حكومتي (1991)، وبتوجيه من الراحل الملك الحسين، قرارَ الموافقةِ على الذهاب إلى مفاوضات تسوية مدريد، في خريف ذلك العام، حيث اُتِّخذَ القرارُ بشكل مؤسّسيّ وديمقراطيّ؛ حينها كانت أحوال الأردن المنطقة في أسوأ مراحلهما، انقساماً واختلافاً وتشظّياً، عشية حرب الخليج الثانية؛ وكنّا نعرف، في مجلس الوزراء، وعلى الرغم من أن ذلك القرار كان مخرجاً للأردن من عنق زجاجة إقليميّ ودوليّ، أننا ذاهبون إلى خطوة في مسار على طريق تسوية قد تكون مجحفة، بحكم موازين القوى آنذاك، آملين في تطوير تلك التسوية إلى فرصة لصناعة السلام، ولكنّها، للأسف، لم تكن، وربما لن تكون، بسبب تبجّح وغرور ونَهم دولة العدوان والاحتلال الإسرائيلي.

 (على الرغم من بعض ردود الفعل الإيجابية، التي جاءت رفضاً وردّاً على تصريحات وزير الخارجية الأميركية بومبيو، دولياً وأوروبياً، حول ضمّ مستوطنات الضفة الغربية، وكذلك الخلافات غير المسبوقة التي ظهرت على الساحة السياسية الإسرائيلية، كلّ ذلك لا أظنّ أنه سيؤخّر أو يعطّل التفكير السياسي الإسرائيلي في القرارات المتّخذة وتنفيذها، من يهودية الدولة إلى ضمّ الأراضي في الضفة والغور الفلسطينيين، بل وسيكون من الصعب على أي إدارة أميركية، أو حكومة إسرائيلية، التراجع بسهولة عمّا تم اتخاذه من إجراءات تهويدية، سواء كان ذلك أميركياً أم إسرائيلياً. فلا يَغرّن أحدٌ أنّ مشاريع إسرائيل الحالية ستقف عند ما هو ظاهر منها حالياً فحسب، فالمشروع الصهيوني الاستراتيجي هو أخطر مما يظنّ كثيرون، وخصوصاً علينا نحن في الوطن الأردني، الذي ما زالوا يرونه المرحلة التالية للانقضاض عليه، بعد أن ابتلعوا الوطن العربي الفلسطيني أو كادوا).

لقد حدّد مجلس الوزراء، بعد نقاش وحوارات مستفيضة، أسباب وخلفية الموافقة على الذهاب إلى (مفاوضات تسوية مدريد)، في العام 1991، في (ديباجة ذلك القرار)، وأقرت بأنّها: جاءت نتيجة:

- للمتغيّرات التي حدثت على الساحات الدولية والإقليمية والعربية، والمستجدّات التي شهدتها المنطقة بعد حرب الخليج.

- وتطورات القضية الفلسطينية (الخ...).

- وتأكيداً لدور الأردن القومي الثابت في دعم الشعب الفلسطيني.

- وإدراكاً لحقائق المرحلة الاستراتيجية وطبيعة موازين القوى الدولية والإقليمية). بالإضافة إلى تحديد الأسس.

- استندت إليها تلك الموافقة، والتي كان أبرزها؛ (حماية مصالح الأردن العليا، دفاعاً عن أمنه ومستقبل أبنائه.

- وإدراكاً لأبعاد المسؤولية وأمانة الحُكم..).

- و(التزام الأردن القومي والوطني، وإصراره الدائم على تطبيق الشرعية الدولية من أجل سلام عادل ودائم وشامل)

- و(تأمين الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشريف..).

وعلى الرغم من أنّ مفاوضات مدريد قد انتهت بإعلان مبادئ أوسلو (أيلول 1993)، واتفاقية وادي عربة (تشرين أول 1994)، فإنّ المصالح الوطنية الأردنية العليا، والاستراتيجية، التي حدّدها قرار الموافقة على الذهاب إلى مسار التسوية، تبقى فوق كلّ الاتفاقيات والمعاهدات، ومهما كانت تسمياتها، ذلك أن كل الاتفاقيات الموقعة تظلّ مرهونة بما يتمّ ممارسته من سياسات على الأرض، من قِبَلِ ما يأتي من سلطات وحكومات في بلدان الأطراف التي وافقت على تسوية حالات العداء بينها.

وهنا لا بدّ من توضيح مضامين تلك المصلحة الوطنية الأردنية العليا، في العلاقة مع إسرائيل؛ فتلك المصلحة الأردنية مشتبكة عضوياً ومصيرياً مع مآلات القضية الفلسطينية، أو ما اتّفق على تأجيله وتسميته (قضايا الحلّ النهائي) في الجانب الفلسطيني والإسرائيلي. فالقدس، والمستوطنات، والحدود النهائية للدولة الفلسطينية المأمولة، ومصير اللاجئين، كلّها تقع في صلب المصلحة الوطنية والاستراتيجية العليا للشعب والدولة الأردنية، وهي ليست ترفاً، أو شعاراً عاطفياً. وهي أيضاً المضامين الفعلية، التي قامت إسرائيل بتعطيلها قسراً، منعاً لتطوير التسويات الموقعة من الوصول إلى مرتبة السلام الذي تنشده التسويات، كل التسويات؛ وكلّ تلك العناوين نحن في الأردن شركاء فيها، والقدس هي الشقّ الفلسطيني من قضايا التسوية النهائية.

بعد نحو ثلاثة عقود على انطلاق ((تسوية مدريد)) الأميركية، ها نحن نعود إلى الاختلاف على جوهر الصراع في المنطقة؛ الأرض، ومواردها، وسكّانها من البشر، ما يعني فشلاً ذريعاً في فكرة التسوية ذاتها..!

واليوم، وعشية التمهيد للإخفاق، تهيئةً للانتقال الى مرحلة أخرى من مراحل ((الإدارة بالكوارث))، يجري التهليل والتسريب لمبادرات أخرى، وبمسميات جديدة على هيئة صفقات..! فنحن نعرف أن التهويد قد بلغ ذُراه، في القدس والجولان، ويستعدُّ للإطباق على ما تبقّى من أراضي الضفة الغربية، وهو تطبيق فعليّ على الأرض لما أعلن عن تسميته بـ(صفقة القرن)، أي تطبيق مضامين تلك الصفقة قسراً قبل الإعلان عنها رسمياً.

بموازاة ذلك، فإنّ عالماً مهيمناً آخر، من الأفكار والقيم السياسية والدبلوماسية الغربية، ينهارُ أيضاً بشدّةٍ وعنف. فتواطؤ الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، بكل ما يتبدّى فيه اليوم من انتهازية، يدقُّ ويطرقُ بصخبٍ كل جدران القيم الإنسانية، التي راكمتها الأمم المتحضّرة، في اجتماعها المعاصر..!

أمّا نحن في الأردن، فليس أمامنا سوى الاحتكام إلى واقع مصالحنا ومصيرنا، الذي يُحتّم علينا بضرورة اشتباكنا الفعليّ والسياسيّ، وبصرف النظر عن حالة الضعف الفلسطينية، مع كلّ مفردة إجرائية وسياسية تقوم بها إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلّة، ومن دون ممارسة الجَلد الدائم للذات الوطنية الأردنية.

ولكن هل نستطيع مواجهة تلك التحديات المصيرية وحدنا..؟

أسارع إلى القول: أنّه قد يصعب الجزم بتلك الاستطاعة الآن؛ ذلك أنّ القدرة على تلك الاستطاعة مَرهونةٌ بإعادة تحصين الدولة والمجتمع وتَحديثهما، لمواجهة القادم الأخطر، وبالبدء العاجل بجرعة جريئة من الإصلاح؛ جرأةٌ تُعلي من شأنِ المفهومِ وقيمتهِ، بعدَ أن جرى استهلاكُهُ كثيراً في الخطاب السياسي العربي الداخليّ العام. ذلك أنّ نموذجَ بِنيةِ تكوينِ الدولةِ والنظام السياسي، في بلادنا مختلف كثيراً، وهو ما تحدثت عنه سابقاً بضرورة الفصل بين الدولة والسلطة. فالنظامُ السياسيُّ (أي السلطةُ) والدولةُ، في منطقتنا، هما شيءٌ واحد حتى اللحظة، ولا فصلَ بينهما إلّا بإصلاحٍ حقيقي، ينتهي من الفردية، وينتقل إلى المؤسّسية والديمقراطية، والتنمية السياسية الفعلية، والتأسيس الحقيقي لدولة المواطنة، وسيادة القانون الفعلية. فبهذا، وبهذا وحده، نستطيع مجابهة كلّ المخاطر القادمة؛ ذلك أنّ ما قبلناه من تسويات، في ظروف بالغة القسوة، لا ينبغي أن نسمح له بأن يكون قدراً لَنا ولأجيالنا القادمة؛ فإذا كان السلام بلا خيل واحداً من مقادير مراحلنا السابقة، فإننا نستطيع اليوم إعادة إسراجِ خيولِنا، بمفاهيمَ عصرية، قوامها تطوير فكرة الإصلاح، وإعادة المهابةِ والجدّيةِ إلى مضامينها العملية. إذ ليس أمامنا، في وجه هذا الزخم الهائل، من المخاطر والمتغيرات السياسية والعلمية والاقتصادية، إلا أن نفكر بجدية في إعادة بناء الدولة الأردنية الحديثة، القائمة على العلم والتفكير الحر. إذ لم يعد في عالم اليوم مكانٌ لأمةٍ أو لجماعةٍ تعيش على فُتات الأمم الأخرى. وليس لنا سوى الاعتمادِ على أنفسنا وقدراتِ شعبِنا، وحقِّنا التاريخي الأكيدِ في بلادنا، ومهما بلغت الضغوط. فهذا وطنٌ أردنيٌّ راسخٌ، وشعبُهُ موحّدٌ، ومستعدٌّ للتضحيةِ، إنْ اقتضت ضروراتُ الدفاعِ عنهُ بكل ما يملك من طاقاتٍ وإمكاناتٍ.

رئيس وزراء أردني أسبق – عن الراي الأردنية

كلمات دلالية

اخر الأخبار