أخطاء جهاز الرئاسة الإعلامي تسيء لها

كواليس عزل مندوب تونس بالأمم المتحدة... وهل يفجر البعتي مفاجأة؟

تابعنا على:   23:30 2020-02-12

أمد/ تونس – وكالات: يبدو أن الأيام المقبلة ستكشف عن تفاصيل جديدة في أزمة عزل ممثل مندوب تونس لدى الأمم المتحدة المنصف البعتي، فعلى الرغم من التزام الرجل الصمت منذ صدور قرار عزله الجمعة الماضية 7 فبراير/ شباط الجاري، إلا أنه قال إنه سيكشف عن توضيحات قريبا.

جريدة "الصباح نیوز" التونسية حاولت الحصول على تعليق من المنصف البعتي، الذي ما زال موجودا في واشنطن، على موضوع إقالته، فاكتفى بالقول: "أرفض التعليق... ولن أتكلم إلا عندما أعود إلى تونس، حينها فقط سأقدم كل التوضيحات".
قرار وزارة الشؤون الخارجية عزل ممثل مندوب تونس لدى الأمم المتحدة المنصف البعتي، بدعوى أنه قدم مشروع قرار لاتخاذ موقف من مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتعلق بمخطط السلام في الشرق الأوسط والمعروف بصفقة القرن، دون الرجوع إلى وزارة الشؤون الخارجية، أثار الكثير من الجدل في الأيام القليلة الماضية.
وبقدر ما أثاره قرار عزل البعتي من جدل، فإنه أثار أيضًا التكهنات بشأن الكواليس والأسباب الحقيقة وراء إقالته.
الخارجية التونسية قالت في البيان الذي أصدرته وقت القرار، إن قرار إعفاء سفير تونس المندوب الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك، يعود لاعتبارات "مهنية بحتة تتعلق بضعف الأداء وغياب التنسيق والتفاعل مع الوزارة في مسائل هامة مطروحة للبحث في المنتظم الأممي خاصة".

وأضافت أن عضوية تونس غبر الدائمة بمجلس الأمن "تقتضي التشاور الدائم والتنسيق المسبق مع الوزارة بما ينسجم مع مواقف تونس المبدئية ويحفظ مصالحها".
من جهتها قدمت رئاسة الجمهورية التونسية هي أيضاً مبرراتها لإقالة البعتي من منصبه. ووفق ما نقلته وكالة "تونس أفريقيا" للأنباء عن رئاسة الجمهورية، فإن "ما حصل عند إعداد مشروع قرار مجلس الأمن، يبدو في ظاهره انتصارا للشعب الفلسطيني، ولكن في الظاهر فقط"، لافتة إلى أنه "لم يقع عند إعداد المشروع، الرجوع لا لرئاسة الجمهورية، ولا لوزارة الشؤون الخارجية".

لم تكتف الرئاسة التونسية بتبرير قرار العزل فقط لكنها شنت هجوماً عنيفاً على المنصف البعتي –دون ذكر اسمه- وقالت إن "من لبس رداء المدافع عن حق الشعب الفلسطيني، صار يستجدي عطف عدد من العواصم المساندة لما سمي ظلما بالصفقة، حتى يتم التراجع عن قرار إعفائه، وأنه لم يبق له سوى الاستجداء بالمحتل الصهيوني، وهو يتظاهر بمواجهة الاحتلال".

وأكدت رئاسة الجمهورية أن "الموقف التونسي الثابت والراسخ من القضية الفلسطينية ومن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لم يتغير"، وقالت إن "تونس حريصة على الشرعية وعلى الحق الفلسطيني حرصها على سيادتها واستقلال قرارها.. أما الذين دأبوا على الافتراء والتشويه فالتاريخ كفيل بفضحهم".

وأضافت رئاسة الجمهورية في توضيحها، الذي أتى بالتزامن مع الجدل الذي رافق عملية إعفاء مندوب تونس الدائم لدى الأمم المتحدة من مهامه، أن "تونس لم ترضخ، لا للمساومات، ولا للضغوطات، لأنها حين تنتصر للحق لا تضع في حساباتها إلا الحق المشروع.. وحق الشعب الفلسطيني ليس بضاعة توزن بميزان الربح والخسارة"، مؤكدة أن "حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، مبدأ أساسي أقره القانون الدولي، ولا يمكن أن يغيره لا الاحتلال ولا محاولات إضفاء مشروعية وهمية على هذا الاحتلال".

وفي ما بدا ردا على الانتقادات لقرار الإعفاء والحديث عن ضغوطات سبقت اتخاذ القرار، لاحظت الرئاسة أن "من بادر بتقديم مشروع قرار مجلس الأمن (في إشارة إلى مندوب تونس لدى المنتظم الأممي، المنصف البعتي)، ومن أوعز إليه في الخفاء من تونس، على النحو الذي تم تقديمه به، لم يكن يسعى إلى تمرير هذا المشروع"، معتبرة أن "من قدم المشروع كان يعلم مسبقا بأنه سيصطدم بحق الاعتراض من أكثر من دولة، وأن هدفه، الذي لا يخفى على أحد، كان الإساءة لتونس، ولرئيسها على وجه الخصوص، الذي أكّد في أكثر من مناسبة أن الحق الفلسطيني حق لا يسقط بالتقادم"، على حد نص التوضيح.

وكانت الجمعية التونسية للأمم المتحدة قد أعربت عن "استيائها العميق" بعد قرار وزارة الشؤون الخارجية المفاجئ بإنهاء مهام السفير المنصف البعتي، الممثل الدائم لتونس لدى الأمم المتحدة في نيويورك.
وعبرت الجمعية في بيان لها نشرته وكالة أنباء أفريقيا، عن استغرابها من "تبرير الإنهاء غير المسبوق لمهام السفير في بيان صحفي رسمي، ونشر مبررات من شأنها إلحاق الإساءة إلى ما وراء السفير نفسه والمعروف بكفاءته وخصاله الوطنية، بما يشكّل قدحا صريحا لأعلى المسؤولين في الدولة الذين عينوه" مذكرة في هذا الصدد، بالبيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية يوم الجمعة الماضي وما صدر من قبل رئاسة الجمهورية، والذي أرجع أسباب إنهاء مهام البعتي، إلى اعتبارات "مهنية بحتة تتعلق بضعف الأداء وغياب التنسيق والتفاعل مع الوزارة في مسائل هامة مطروحة للبحث في المنتظم الأممي".
وأعربت الجمعية أنها "لا تزال تشعر بقلق عميق إزاء التقارير المتواترة والمتناقلة علنا والتي أشارت في تفسير هذا القرار المفاجئ إلى انحياز السفير المنصف البعتي ودعمه الصريح للفلسطينيين في إطار المناقشات في مجلس الأمن بشأن خطة السلام في الشرق الأوسط المعلنة من جانب واحد في واشنطن".
وبينت في هذا الإطار أن الوفد الفلسطيني قام بإعداد وثيقة غير رسمية تحتوي على عناصر لمشروع قرار بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط، وعهد بها إلى تونس، بصفتها ممثلاً للمجموعة العربية، وإندونيسيا بصفتها ممثلاً لمجموعة دول منظمة المؤتمر الإسلامي، لمناقشتها، وفي مرحلة متقدمة، يتم تقديمها للحصول على قرار من مجلس الأمن.
صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" العبرية قالت في تقرير لها، إن الرئيس التونسي قيس سعيد استبعد منصف البعتي لأنه "يخشى أن يضر دعم السفير للفلسطينيين بالعلاقات مع الولايات المتحدة.
وأضافت أن الولايات المتحدة "قدمت مجموعة من الاعتراضات على النص التونسي، وأشارت إلى أنها ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد القرار إذا لم تتم إعادة ضياغته".
وقالت إنه "من المرجح أن يعتبر منع التصويت نجاحًا دبلوماسيًا نادرًا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة بشأن قضية الشرق الأوسط".
وزعمت الصحيفة العبرية، أن واشنطن "ضغطت على وفود الدول بمجلس الأمن الدولي لعدة أيام في محاولة لضمان عدم لومها في التصويت المقرر اليوم الثلاثاء". مضيفة أن "هذا الضغط شعرت معه الحكومة التونسية الأسبوع الماضي بأنها مجبرة على استدعاء سفيرها لدى الأمم المتحدة المنصف البعتي".
وقالت الصحيفة، إن جاريد كوشنر، صهر ترامب ومهندس الخطة، "التقى مع دبلوماسيين رئيسيين يوم الخميس في نيويورك لطلب الدعم، ويبدو أنه واجه مقاومة من دول أوروبية بما فيها فرنسا التي سألته عن سبب عدم استشارة الفلسطينيين".
ونقلت عن "مصادر دبلوماسية" –لم تسمها- قولها إن السفير المنصف البعتي، الذي شغل مقعد تونس في مجلس الأمن الدولي منذ بداية العام، "ذهب أبعد من المطلوب الذي طلبه الرئيس التونسي قيس سعيد في انتقاداته لخطة السلام التي طال انتظارها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب".
وقالت المصادر إن "سعيد، وهو سياسي جديد لم يتولى مهام منصبه إلا في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعد فوزه المفاجئ في الانتخابات، كان قلقًا من أن تعبيرات البعتي لدعم الفلسطينيين تخاطر بالعلاقات التونسية مع الولايات المتحدة".
وقال السفير مارك بيكستين دي بيتسويرف، ممثل بلجيكا، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، "لقد كانت صدمة لسماع ذلك. أنا لا أعرف كل التفاصيل والسبب وراء ذلك". وأضاف: "لقد كان زميلًا جيدًا للغاية وأنا أشعر بالأسف الشديد لرؤيته يغادر".
ونقلت "تايمز أوف إسرائيل" العبرية، عن دبلوماسي آخر وعضو في مجلس الأمن، قالت إنه "لم يرغب في الكشف عن هويته"، قوله إن البعتي كان "الشخص المناسب للتفاوض على قرار يريده الفلسطينيون".
وقالت الصحيفة، إن الاستدعاء السريع للبعتي إلى تونس يعني أنه منعه من حضور جلسة مغلقة أمام مجلس الأمن يوم الخميس، حضرت من قبل مهندس الخطة الأمريكية ومستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر.
وفي سياق مختلف، كشف التعاطي مع موضوع إقالة مندوب تونس الدائم في الأمم المتحدة خللاً في الأداء الدبلوماسي لتونس حيث اعتبر دبلوماسيون سابقون أن إقالة منصف البعتي بتلك الطريقة إهانة لتونس وللديبلوماسية التونسية.

الصحافية التونسية منية العرفاوي اعتبرت بيان الرئاسة التونسية، "ترذيلاً لمؤسسات الدولة وبياناً يهز صورة المؤسسات الرسمية بشكل دراماتيكي لم تعهده تونس حتى في أكثر لحظات الدولة ضعفاً". وأضافت متسائلةً "كيف تعمد مؤسسة منتخَبة بحجم الرئاسة إلى تخوين أحد مواطنيها وهو موظف ديبلوماسي رفيع المستوى يمثل الدّولة والعلم التونسيين؟"، مشيرةً إلى أن "ذلك يمثل سقطة كبيرة تنمّ عن سوء تقدير وتلاعب واضح بمصلحة الدّولة وصورتها في الخارج".
وأكدت العرفاوي أنه يُفترض أن تبقى مؤسسات الدولة متحلّية بقدر من التحفظ وتتعامل مع موظفيها وفق الإجراءات والقوانين وليس بمنطق تبادل الشتائم والتخوين.
كما ينتقد صحافيون تونسيون مكاتب الإعلام في رئاسة الجمهورية لبطئها في التفاعل مع الأخبار والملفات والمواضيع الصحافية المنشورة في الصحف أو الإذاعات والتلفزيونات وتكتفي بالظهور في بعض المؤسسات فقط وكلما دعت الحاجة.

ويرى مراقبون إن مؤسسة الرئاسة مدعوة في أقرب وقت ممكن إلى إعادة النظر في "مكتب الإعلام والاتصال" من أجل تجاوز الأخطاء والسقطات المهنية التي تضرّ بصورة تونس في الخارج وهي في أمسّ الحاجة إلى تلميع صورتها واستثمار واقعها بخاصة في مجال الحرّيات والتعاطي المهني مع الملفات الوطنية الكبرى واستثمار مناخ الحرية في البلاد من أجل التسويق للسياحة في تونس عبر الدبلوماسية الاقتصادية، لا تشويهها عبر إجراءات شعبوية كإقالة مندوب البلاد في الأمم المتحدة ثم إصدار بيان فيه مسّ بمكانة الرجل الذي خدم الدولة التونسية.