من يرث أمريكا؟

تابعنا على:   10:24 2020-05-14

جميل مطر

أمد/ سؤال افتراضي مثل أمور وموضوعات كثيرة نناقشها هذه الأيام، بطبيعة الحال لا نتوقع أن تسقط أمريكا أو تتوقف تماماً عن أداء دورها القيادي خلال شهور أو سنين قليلة، لكننا توقعنا أن تثار في أيامنا الراهنة قضايا عديدة تتصل بصعود الصين، واقترابها المتزايد من مواقع قيادة في النظام الدولي. وبالفعل القضايا مثارة والحديث عن السباق إلى القمة يشغل العديد من صفحات الصحف ودراسات مراكز البحث في كافة أرجاء العالم، ربما باستثناء الصين صاحبة الشأن والمصلحة. هذا الاستثناء، في حد ذاته، كافٍ كمحور رئيسي من محاور النقاش الدائرة حول سؤالنا الافتراضي، من يرث أمريكا؟ أملاً في الاهتداء إلى إجابة، ولتكن افتراضية هي الأخرى.

الولايات المتحدة الأمريكية، حلت محل بريطانيا العظمى وريثاً فعلياً منذ فرضت على الساحة الدولية سلاماً أمريكياً. استمر هذا «السلم الأمريكي» فاعلًا حتى عهد قريب عندما اتضح أن دولة أخرى، وهي الصين، استطاعت في سنوات قليلة أن تحقق درجات في النمو الاقتصادي والقدرات العسكرية والنفوذ الدولي، وهي السنوات ذاتها التي شهدت بدايات انحسار أمريكي مطلق في قطاعات، مثل البنية التحتية. تدل شواهد عديدة على أن المملكة المتحدة عاجزة حتى إشعار آخر عن لعب دور فاعل، في النظام الدولي.

شواهد أخرى ظهرت على سطح معسكر الغرب خلال السنوات العشر الأخيرة، جعلتنا نستبعد أن نرى في يوم قريب، نحن وبقية بنات وأبناء جيلي، وربما بنات وأبناء الجيل التالي لنا، دولة غربية أخرى تسعى، لاستلام هذا الإرث أو حتى تحلم بيوم تحل فيه محل بريطانيا العظمى وخليفتها أمريكا قائداً للغرب كله، ومهيمناً على النظام الدولي أو على أغلب تفاعلاته المهمة. يتصدر أيضاً قائمة هذه الشواهد مزاج أمريكي غير واثق من صلابة حلف الأطلسي ووحدته. هذا المزاج ينبئ كذلك عن عدم استعداد الأعضاء الأوروبيين في الحلف، لترجمة التزاماتهم المعنوية لمساهمات مادية وعسكرية تخفف من العبء الواقع على إمكانات أمريكية متوالية الانحسار. تصدرت القائمة في الوقت نفسه موجة خلافات أوروبية الطابع والتاريخ، خلافات مصحوبة دائماً بذكريات مؤلمة.

بمعنى آخر، إذا استبعدنا كندا وريثاً محتملاً لأمريكا، وأسباب الاستبعاد معروفة، وإذا استبعدنا بريطانيا ما بعد البريكسيت أو حتى قبله، وريثاً آخر، واستبعدنا فرنسا أو قيادة ثنائية من ألمانيا وفرنسا جربت نفسها بدرجات متفاوتة من الفشل، وريثا ثالثاً، إذا استبعدنا كل هذه البدائل سوف نجد أوروبا أو الغرب بأسره مفتوحاً أمام احتمالين، كلاهما مصدره دولة روسيا الاتحادية. احتمال قصير الأمد تعرض فيه روسيا مع ألمانيا على «بقية» الأوروبيين قيادة ثنائية تضمن حالة سلم تشارك فيها بالدعم فرنسا أو لا تشارك. واحتمال طويل الأمد حتى يتحقق أولًا القبول بروسيا الاتحادية دولة غربية أو بالأصح أوراسية، ويتحقق ثانياً حلم روسيا الأوراسي، ويتحقق

ثالثاً حلم قديم لجنرالات أوروبا، حلم الوصول بدفاعات أوروبا إلى عمق آسيا، أي إلى حدود العملاق الصيني.

يبقى لنا من الاحتمالات الاحتمال الأصعب، حتى في ظل الأوضاع الافتراضية التي يجرى التحليل في سياقها، وأقصد أن يسفر العجز الغربي عن صنع وريث مناسب لأمريكا، أو عن التوصل إلى صيغة قطبية ثنائية تشترك فيها الصين مع أمريكا، يجرى بمقتضاها تسيير نظام دولي جديد، حينذاك، أي في ظل هذا العجز الغربي، ونتيجة له سوف تجد الصين نفسها مجبرة على استلام الإرث وتولي مسؤولية قيادة نظام دولي منفردة وفرض «سلم صيني» على العالم. واقع الأمر يزيد من صعوبة تحقيق أي من هذه الاحتمالات الافتراضية، إلا أنه لا يجعلها مستحيلة.

أسأل: ما مضمون الرسالة التي تنوي القيادة الصينية طرحها على البشرية بديلاً أخلاقياً وسلوكياً لما يطرحه منافس غربي على إرث الولايات المتحدة صاحبة قرن السلم الأمريكي وشريكة الاتحاد السوفييتي في قيادة النظام الدولي خلال عقود أربعة. أتصور أن الصين لم تضع بعد صيغة رسالة إلى الشعوب، تدعم بها جهودها لاستكمال مشوارها إلى القمة. لا تزال القيادة الصينية متمسكة بصيغة طرحتها على قادة عدم الانحياز، ومضمونها التزام عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

أخشى أن يزداد في قيادة الحزب الشيوعي الصيني التأييد لفكرة صياغة «رسالة آسيوية» صادرة إلى العالم من الدولة التي أثبتت نجاحاً مبرزاً في المواجهة مع فيروس كورونا، وهي الصين. الخوف كل الخوف أن ينجر قادة العالم إلى ساحة حرب باردة جديدة طرفاها «الجنس الأصفر» الصاعد منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي في جميع المجالات باستثناء مجال الحقوق والحريات، والطرف الثاني «الجنس الأبيض» المنحسر نفوذاً والمتهم بتجاوزات أخلاقية وعنصرية ضد الأجناس الأخرى في تناقض صارخ مع رسالته إلى العالم.

هناك دائماً الكثير مما يقال، ومما يجب أن يقال في مقال يطرح ويناقش أسئلة افتراضية وإجابات أيضاً افتراضية، فما البال وقد تداخلت مختلف العوالم واختلط علينا واقعنا في كثير من مواقعه بعوالمنا الافتراضية؟!

عن الخليج الإماراتية

كلمات دلالية