"الحرية تُعاش ولا تُحكى"..

الأسير المحرر "اياد الجرجاوي" يتحدث لـ"أمد" عن حياته داخل سجون الاحتلال

تابعنا على:   00:01 2020-06-15

أمد/ غزة- صافيناز اللوح: عاد إلى بر الأمان، بعد أن كان مكبل اليدين معصوب العينين، ويدخل في غرف الشبح والتنكيل والتعذيب، وينام بين جدران قديمة، وغرف صغيرة ممتلئة بالحشرات، ليتجرع الفرحة كؤوساً عندما تخطت قدمه وداست فوق تراب غزة بعد أعوام مضت داخل السجون.

اياد عبد الله الجرجاوي 34 عام من منطقة معن في مدينة خانيونس، اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 13-6-2011، أثناء العودة من رحلة علاجية في مستشفى المقاصد.

أصيب "اياد" عدة مرات في انتفاضة الأقصى، من بينها اصابة في عام 2004، وهي التي أجبرته للموافقة لإنقاذ حياته بمغادرة غزة الي أراضي 48 للعلاج هناك، بعد اغلاق كافة الطرق أمامه بسبب الأحداث التي وقعت في الدول العربية.

أفرجت سلطات الاحتلال عن الأسير الجرجاوي بتاريخ 11-6-2020، بعد أن تم ابلاغه من قبل ادارة السجون، رغم أنّه من المقرر الإفراج عنه بتاريخ 12-6-2020.

تنقل الأسير المحرر، من سجن إيشل، ثم نفحة، ثم ريمون، وعاد إلى نفحة مرة أخرى، وريمون ومن ثم إلى هداريم حتى استقر في سجن جلبوع.

طير يستنشق حريته

نقلت سلطات الاحتلال "اياد" من سجن جلبوع إلى سجن عسقلان، وهناك بسبب فايروس كورونا، تم تحويله مباشرةً إلى معبر بيت حانون -ايرز شمال قطاع غزة، حيثُ أجري معه مقابلات من الشباك خلال 3 ساعات أو أقل، وهذا أمر غير طبيعي، ولكن بسبب انتشار الوباء العالمي.

وخلال مقابلة هاتفية أجراها "أمد للإعلام" مع الأسير المحرر "الجرجاوي" قال: "في معبر ايرز تم اعاقتنا لفترة قصيرة، ومن ثم انتقلنا الي مركز تحقيق جهاز الشاباك، وتم اطلاق سراحي حتى وصلت معبر بيت حانون، وعند خروجي منه بسبب عدم علم أحد بموعد الإفراج عني، ولم يكن أحداً من عائلتي ينتظرني، قام العمال المتواجدين في المنطقة بالتواصل مع السلطات في غزة، واستلموني.

حجر صحي حرمه احتضان عائلته

لم يكن الطير الذي استنشق حريته، متوقعاً أن يخرج من السجون بعد هذه السنوات التي حرمته من احتضان والدته أو عائلته، ولكن خيب "كورونا" ظنه كلياً، وعاد إلي وطنه ليشتم رائحة ترابه دون احتضانه وتفريغ اشتياقه بدموع الفرح وهو يحتضن أمه وذويه.

ويقول الجروجاوي "لقد أبلغت عائلتي في وقت متأخر، حيثّ رأيت أصدقائي فقط، وكانت المحادثة الوحيدة التي جرت على مسافة 10 متر مع عائلتي أمام باب الحجر".

وأكمل حديثه مع "أمد" قائلاً: "تركت شقيقي فتى صغيرًا، وأصبح الآن شابًا يتحمل المسؤولية، لكنني عندما رأيته شعرت بالفجوة الزمنية التي بيني وبينهم، كما أدهشني الكم الهائل للعمران والمباني، وطبيعة الناس والتغييرات التي حدثت في هذه المنطقة، كل ذلك مرّ في ذاكرتي بدقائقٍ معدودةٍ".

ووصف الجرجاوي عدم رؤيته لأهله بالمحزن والمؤلم جداً، ويقول: "قبل خروجي من السجن كان حدود واحتلال ومسافة جغرافية وشبك وسياج وجنود وعسكر وتصاريح وحواجز وألم، لكنّ اليوم بيني وبين أهلي "كورونا" فقط، لدرجة أنني لم أستطع ان أميز عائلتي عندما جاءت لرؤيتي، خاصة والدتي التي لم أراها منذ 9 سنوات سوى 5 مرات فقط، مستدركا: "لكن رؤيتي لهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي خفف عني كثيرا، وأتمنى أن أراهم قريباً، وهناك وعودات بأن أرى أهلي من خلف زجاج".

وأكد "إياد"، أنّ "أغلب الأسرى يتعاملون مع موضوع الحجر الصحي بمسؤولية وطنية، والملقاة على عاتق كل فلسطيني، ونحن الأسرى جزء من هذا الشعب؛ ونعرف أنّ اسرائيل منطقة موبوءة، فاعتبرنا هذا الأمر خطوة من النضال، وهي مصلحة وطنية بالدرجة الأولى لحماية شعبنا من انتقال الوباء والفايروسات.

وتابع، لا يمكنني وصف الشعور لحظة وصولي إلى معبر بيت حانون، فأنا أتنفس الحرية "فالحرية تعاش ولا تحكى، في اللحظة التي تم فك القيود من يدي، شعرت بتغير من جميع أنحاء جسمي، وأن هناك غدد وهرمونات في جسدي بدأت تعمل، بعد توقفها عدة سنوات.

ويضيف الجرجاوي: "لا يمكن لأي طبيب أن يصف هذا الشعور، لأنه شعور وجداني مختلط بالحزن، لأننا تركنا خلفنا اخوة داخل السجون، وفي الوقت ذاته نشتاق لرؤية الأهل والأحبة".

وعن لحظة استقباله من قبل المسؤولين على معبر بيت حانون من الجانب الفلسطيني، يقول: "شعرت برائحة الوطن، والأهل الذين ابتعدنا عنهم قسرا لسنوات، وكانت فترة مدتها 4 ساعات، إلّا أنها مرت كالبرق، خاصة أنني أرى الشمس والسماء بدون شباك، ولأول مرة أرى طفل صغير عن قرب منذ 9 سنوات، وقمت باللعب معه"، لافتًا أنه "لأول مرة منذ 9سنوات أتحدث مع مواطنين غير عسكريين دون مواجهة، لكنني شعرت بأن الحياة عادت لطبيعتها، وبمجرد أن وصلت إلى الفندق للحجر الصحي بدأت أمواج الذكريات تتحرك بدرجة عنيفة جداً".

كيف قضى أول يوم خارج أسوار السجون

وحول كيفية قضاءه لأول يوم خارج أسوار سجون الاحتلال الظالمة، وبعيداً عن التعذيب والشبح من قبل السجان المجرم، أكد "الجرجاوي": "السجن يُقسي، ويجبر الانسان على وضع مشاعره داخل صخرة حتى لا يظهر أمام العدو بالضعف.

ويكمل قائلا: قضيت الوقت خلال اليوم الأول بغزة خارج السجن، حيثُ تفاجأت بالتطور التكنولوجي خاصة بعد أن قام الأهل بإعطائي هاتف خلوي حديث، دخلت على عالم غريب، خاصة وأنني تم اعتقالي في عالم ما قبل الحداثة، فمنذ الساعة 4 مساء وحتى الساعة 6 ونصف من فجر يوم الخميس، وأنا على الهاتف فقط يتواصل معي الجميع لتهنأتي بالخروج من خلف قضبان السجون.

ويقول الجرجاوي "أنا الآن أتعامل مع نفسي في مرحلة الأعراس، حتى ينتهي الحجر الصحي الذي فرضه مسؤولو غزة لمدة 21 يوماً، وأنا مع أي إجراء صحي يحمي شعبنا من تناقل أي فايروس".

وقال: تفاجئت بالوفاء عند أهلنا وناسنا، وبمصداقيتهم وحالة التعاطف والتضامن الكبيرة، فهذه المشاعر لم تصل إلى داخل السجون بسبب محدودية القنوات التي يتم فتحها عبر شاشة التلفاز في السجون.

شخصيات ومواقف

وحول الشخصيات القيادية التي قابلها المحرر الجرجاوي داخل سجون الاحتلال، قال: "قابلت مروان البرغوثي، وهو من أبرز الشخصيات التي أضاءت شمعة في حياة الشعب الفلسطيني، وقيادات الجبهة الشعبية القائد أحمد سعدات وأبطال عملية "زئيڤي" وحسن سلامة وعباس السيد وعبد الله البرغوثي، والشيخ رائد السعدي وأنس جرادات وأبو عماد البلبيسي، ونضال البرعي، ووليد دقة وكريم يونس ونائل البرغوثي وأبو حازم الشوبكي، وكثيرين.

أمّا عن المواقف داخل سجون الاحتلال، تحدث "الجرجاوي" قائلاً: "من الصعوبة أن أتحدث عن المواقف لأنها كثيرة، فعندما يتوفى والد أسير مثلاً يكون هناك حزن كبير في جميع غرف وأقسام السجن وفي حالة الفرح نفس الشيء، فهناك مواقف داخل الغرف لا يمكن لأي منتج أو مخرج أن يؤلف هذه المواقف، ومن الصعب أن تستوعبها الناس لأن الظروف والمكان التي عشنا بها تختلف، ولا يوجد لها وصف بروعتها".

واستدرك بالقول: "تفريق العصافير، هناك بعضهم وقعوا داخل السجون، وقام بعض الأسرى بتربية هذه العصافير، فهذه القصص لا يمكن لأي شخص أن يعلم مدى الترابط بين العصفور والأسير داخل السجون".

اخر الأخبار