المؤامرات ما زالت مستمرة والمطلوب فلسطينياً

تابعنا على:   13:11 2020-08-19

د. جمال خالد الفاضي

أمد/ يبدو أن القدر لم يختار سوى الشعب العربي الفلسطيني لمواجهة مؤامرات ممتدة ومتنوعة ومركبة عبر قرن من الزمان، تستهدف الأمة العربية هوية وأرضاً وتاريخاً ومستقبلاً، فمنذ الحرب العالمية الاولى وحتى اليوم وهو عصر كورونا وما بعدها، فإن كل تغييراً كان نتاج صراعاً أو توافقاً على صعيد منظومة النظام الدولي أو النظام الإقليمي، فإن الشعب الفلسطيني وقضيته التي تحمل بعداً قيمياً وأخلاقياً هو من يدفع ثمن هذا التغيير وميلاد نظام جديد يسود العالم والمنطقة. لم تكن الحرب الأولى كما عُرفت، أكثر الحروب قتلاً وتدميراً وإزهاقاً للأرواح فقط، ولكنها عُرفت بأنها الحرب الأكثر التي نجم عنها تحولات وتداعيات فاقت كل الحروب التي شهدتها البشرية منذ نشأتها، وقد تردد وقعها في صورة تحولات وتغيرات سياسية، تمخضت عنها تقسيمات ومحاصصات قسمت المقسم وهيمنت على مقدرات الشعوب وصاغت مستقبلها.
ولعل الشعب الفلسطيني هو أكثر الشعوب الذي دفع ثمن هذه التغييرات والتحولات والتي مست ليس حاضره آنداك وإنما صاغت مستقبله ليومنا هذا، فنتائج الحرب العالمية الأولى هي من قررت مصير فلسطين، وجاء صك الإنتداب عبر مؤتمر سان- ريمو كقفص، قيد الشعب الفلسطيني وطموحه بالتحرر، وقرر اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، واليوم وبعد مسيرة طويلة من الصراع والمؤامرات، ها هو يآتي التطبيع المجاني مع إسرائيل خدمة لها وإعادة تعريف لميلادها غير الشرعي، بأنها جزء أصيل من المنطقة، وهذا يعني أن الأرض التي يقف عليها الفلسطينيين لم تعد ذات الأرض الصلبة التي كانت، وأن البيئة العربية والإقليمية التي أحتظنتهم لم تعد ذاتها وأن اتفاق "أبرهام" للتطبيع السلام مقابل السلام ليس الأول كما نعلم، ولن يكون الأخير كما نعلم أيضاً، وكما تشير إليه التصريحات الأمريكية والإسرائيلية، وهذا يتطلب من الشعب الفلسطيني وقيادته الإدراك:
أن البقاء رهن تغيرات في الحكم هنا وهناك لم تعد مجدية أو ذات جدوى في ظل تصارع المشروع الصهيوني الممتد للهيمنة المطلقة على ما تبقى من أرض فلسطين، وفي ظل تجاوز قطار الدولة العربية لقطار لقضية الفلسطينية والذهاب بعيداً نحو التطبيع مع إسرائيل.
إعادة تعريف الصراع ضمن مفاهيمه الحقيقية والتي تتناسب وحجم المؤامرة التي تهدف لتصفية الفلسطينيين وقضيتهم، والخروج من حالة التيه والُلبس التي أفرزتها المرحلة السابقة، والتأكيد على أننا جزء من هذه الأرض لن نرحل عنها ولن يعيدنا التاريخ للخلف مهاجرين أولاجئين في بلدان الشتات.
إعادة بناء الكيانية الفلسطينية ضمن إطارها الجامع والتخلص من حالة الانقسام ومفردات المحاصصة، واعتماد نهج جديد لا يبقينا رهينة إرادة الغير أو سياسة الإنتظار التي لم نحصد منها سوى استمرار الزحف الاستيطاني الصهيوني.
اعتماد رؤية ونهج جديد يتناسب مع مبدأ أن الصراع هو صراع بين مشروع تحرري فلسطيني ومشروع استيطاني استعماري إسرائيلي، وأنه لم يعد هناك بيئة رسمية عربية حاضنة لمشروعنا التحرري، واعادة تفعيل العلاقة مع الشعوب العربية بكل الأدوات الممكنة، كداعم وسند حقيقي أصيل لن تتنيه حالة إنهزامية هنا وهناك، بل والعمل على التحالف معها ضد حالة الاستبداد والفساد التي تهيمن على كل مقدرات الأمة ووفرت الجسر الحقيقي للهرولة نحو التطبيع والشراكة مع المشروع الصهيوني.
الضم مفردة من مفردات الاحتلال، والدعوات لوقف الضم هي دعوات مجتزأة، والمطلوب الدعوة لانهاء الاحتلال بكل مفرداته، وليس التعاطي مع نهج إسرائيل القائم على تفكيك المصطلحات وإبقاءنا رهينة ردود فعل مؤسمية تحدد نوعيتها ودرجة فعلها إسرائيل. وإعادة تفعيل البعد الأخلاقي للقضية الفلسطينية عبر ربطها بحالة الرفض العالمية لهيمنة النيو لبيرالية والتغول التي تمارسها الرأسمالية على مقدرات الشعوب كافة، وإيجاد القنوات المتنوعة للتواصل والعمل على تثبيت مثلث الحقوق الفلسطينية التحرير وحق المصير وإقامة الدولة المستقلة في الوعي الجمعي العالمي.
العمل على إعادة تفعيل مقدرات شعبنا ومؤسساته في كل أماكن تواجده في الشتات والمهجر ، واستثمار مقدراته البشرية والمادية والمعنوية كأدوات حقيقية من الفعل الفلسطيني الدائم والمستمر، وإعادة صياغة ترابط الجسم الفلسطيني بكل أماكن تواجده ضمن حدود 48، وحدود 67، مع احتفاظ كل طرف بخصوصية نضالاته، وكذلك العمل على توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني التحرري القائم على مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، وصياغة الخطاب الإعلامي، بما يحمل الرؤية والرواية الفلسطينية وذلك ضمن مفهوم التأثير على العقل الغربي الذي بدأ يتململ من إسرائيل وسياساتها الاحتلالية.
البيانات الشاجبة والمدينة للتطبيع والتي تحمل مفردات قاسية وخارجة عن القاموس الوطني الفلسطيني لن تغير شيئاً ، بل ستعمق خسارتنا ، وتشكل حالة هروب واضحة الأركان من فعل فلسطيني حقيقي سواء تعلق بالمستوى الداخلي الفلسطيني أو على المستوى العربي والدولي.
طالما نحن نعتز بعروبتنا، وبقوميتنا التي أسس بناها أجدادنا من مفكرين وقادة عظماء، إلا أن التطبيع مع دولة الاحتلال يشكل خروجاً وتمرداً عن إرادة الأمة التي تشكل فلسطين ضميرها ووجدانها، والتأكيد أن رفضنا للتطبيع ليس نابع من عقيدة جامدة، وإنما من منطق توظيفه في سياق الضغط من أجل الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، في التحرر وإقامة دولته المستقلة كاملة الأركان، وأن هذا التطبيع جزء من صفقة القرن التي تسعى من ورائها واشنطن وإسرائيل بلا مؤاربة لتصفية القضية الفلسطينية، وهو ما يشكل تناقضاً لكل المواقف العربية الأصيلة والمعلنة أن لا سلام ولا تطبيع دون حصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه. ولأن فلسطين لم تكن ولن تكون يوماً معطلاً أو مانعاً للمصالح العربية، وأن أي علاقة مع إسرائيل هي حتماً تصب بالمصلحة الإسرائيلية، لذا، فإن تجميد عضويتنا ذاتياً في المنظمات العربية والإسلامية وعلى رأسها الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، يجب أن يكون موضع نقاش في قادم الأيام، ومخاطبة الرأي العام العربي أن مثل هكذا خطوة هي رداً على حالة الهرولة العربية تجاه إسرائيل.
مؤامرات كثيرة عاشتها فلسطين أرضاً وشعباً، تحطمت أمام صمود الشعب الفلسطيني الذي ما زال متشبتاً بأرضه جيل بعد جيل، ويزداد عدداً وتعداداً، وثابتاً كالجبال مؤمن أن يوماً قادماً حاملاً معه عوامل الحرية سيأتي للنصر على دولة صنعتها المؤامرات والدول الاستعمارية، وصمت ممالك العرب، والمطلوب نهج وفعل مغاير يتناسب وحجم وتنوع المؤامرة ويوظف كل أمكانات شعبنا توظيفاً صحيحاً مكانياً وزمانياً.

اخر الأخبار