المنظمات غير الحكومية أو الأهلية، ماذا يقول الشارع الفلسطيني

تابعنا على:   17:59 2021-03-07

رائد عاطف

أمد/ منذ توقيع اتفاقيات أوسلو وعدد كبير من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية أو ما يعرف بالمنظمات الأهلية أو ما يسميه البعض منظمات المجتمع المدني يقع تحت مرمى النيران والانتقادات من الكثير من الأطراف ومنها عامة الناس والأحزاب السياسية وكذلك أصوات من المنظمات الأهلية نفسها. واكثر ما يتعرض للانتقاد ويمكن تسميته بنبض الشارع هو ما تلمسه العامة من تأسيس عدد كبير من هذه المنظمات لغايات الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان بشقيها  حقوق الإنسان العامة او المتخصصة المتعلقة بحقوق المرأة والشباب والأطفال والمعاقين والبيئة والحيوانات والحكم الصالح.

وكل هذه الموضوعات برأي أغلبية الشارع الفلسطيني كلام في الهواء أو كلام مكتوب ليلا بالزبدة يذوب مع الواقع والنهار .  هذا المقال لا يناقش تسمية المنظمات غير الحكومية أو الأهلية والاختلافات والفروقات في التسمية وما يمكن أن تعكسه التسمية على دور ووظيفة هذه المنظمات بل توضيح نبض الشارع الفلسطيني من واقع تجربتي كباحث متخصص في هذه المنظمات وباحث في العمل الميداني سنحت له الفرص الاحتكاك بعشرات الالوف من الأفراد والبيوت الفلسطينية.

 الناس تنظر للمنظمات غير الحكومية أو الأهلية (وليكن العديد من هذه المنظمات) التي تعمل في المجالات المذكورة أعلاه بعين الشك ويعتقدون انها لا تقدم للعامة إضافة نوعية وقيمة حقيقية، فالناس لا تريد من يوثق الانتهاكات ذات الصلة بحقوق الانسان فقط، او ان تعقب التوثيق بكتاب واتصال للجهة التي قامت بالانتهاك. العامة تريد وقف الانتهاكات التي تتم بحقهم ومصالحهم، وهذا يتعدى سقف التوثيق والمراسلات.

 يلجأ العامة والمستضعفون منهم بشكل خاص لمنظمات حقوق الإنسان ويتوقعون منها اولا التعاطف العالي والحقيقي مع شكاويهم والاهتمام بها وحمل هذه الشكاوي للجهات المعنية والعمل على حلها وإنصاف المشتكيين المقهورين ليصطدم الجمهور أن سقف عمل هذه المنظمات هو التوثيق والمراسلات والاتصالات الهاتفية.  فمثلا لدينا عدد كبير من منظمات ومكاتب ومبادرات تعمل في المجال الواسع لحقوق الانسان، وجميعها تعمل على توثيق الانتهاكات ومنها ما يعمل في التثقيف لموضوعات الحقوق أن كانت انسان او مواطنة وتعمل على اعداد الدراسات والتقارير وعقد الندوات وورش العمل والاجتماعات وعمل مسابقات وتقديم جوائز ويمكن لها التوسع بتوقيع مذكرات تفاهم وأنشطة بين جهات متعددة بينما ما يتوقعه العامة هو المساهمة في الحلول والمشاكل، فلا يكفي إثارة النقاش والحديث والتثقيف عن منظومة الحقوق المختلفة من الحق بالسكن والتعليم والعمل والصحة وممارسة النشاط السياسي ووقف توغل السلطة التنفيذية وأجهزتها المتعددة بل المساهمة الحقيقية بحلها ، والمساهمة تحتاج إلى ادوات حقيقية ، فلتتحدث المنظمات عن الحق بالسكن وكذلك المساهمة به، ولتتناول الحكم الصالح مع ضرورة العمل على تغيير الواقع، ولتتناول الامن الغذائي مع المساهمة عمليا في تحقيقه، وتدرس وتوضح حقيقة الفساد مع المساهمة في حمل قضايا العامة للجهات ذات العلاقة، وان كان المشكلة سقف المنظمات ينحصر في التوثيق فلتتقدم هذه المنظمات وترفع سقفها في حمل مشاكل الناس جماعات وافراد للمحاكم ذات الصلة.  ليس المهم للعامة عدد وكم شكاوي الانتهاكات التي تم توثيقها، فالمهم هو كم شكوى منها تم انصاف المنتهكة حقوقهم، وليس معيار الحكم على المنظمات عدد المؤتمرات التي عقدتها في مجال الحكم الصالح بينما المهم التغيير الحقيقي الذي جرى على واقع الحكم في المناطق التي نعيش بها.  

نحن بحاجة الي مؤسسات تعمل على الأرض وتقدم خدمات للعامة، خدمات حقيقية ملموسة ولا تقف فقط عند تشغيل عدد من الموظفين، وأن كانت المنظمات غير الحكومية او الأهلية مشغل لعدد ليس بقليل من الموظفين، ولكن هذا لا يعفيها من إصلاح جوهر هذه المنظمات وطبيعة أنشطتها. يمكن تقديم عدد من الأدلة والتي تدمغ حقيقة أن عدد من المنظمات غير الحكومية او الأهلية تتراوح بين الفردانية والشخصية والتي تظهر أن مبرر وجود بعض هذه المنظمات الحقيقي هو خدمة من يرأسها، فمثلا كيف يمكن تفسير وجود مدير عام على رأس منظمة ربع قرن من الزمن وأن جرى بعض التغييرات من تبادل مسميات ومناصب وظيفية مثل الانتقال من مدير تنفيذي إلى مستشار او مدير برامج إلى مدير عام. كيف يمك للعامة أن تقرأ فكرة وجود مدير برامج ( موظف) في هيئة عامة لمنظمة أهلية وحقيقة كون الهيئات الإدارية او مجالس الإدارة غائبة عن المنظمات ويجري التعامل مع هذه المجالس كونها برستيج اجتماعي وأسماء لتمرير قرارات وفعاليات إدارة هذه المنظمات. كيف يمكن فهم

 أرجو أن لا يفهم نصوص المقال أعلاه تبرير تدخل السلطة التنفيذية في أعمال وبرامج المنظمات غير الحكومية او الاهلية ومحاولات التضييق عليها ولكن العامة تريد ان تقوم هذه المنظمات بالدور الذي يجب أن تلعبه. العامة لا تريد هذه المنظمات بديلا عن القوى السياسية ولا تريدها أن توظف فقط  مشغل لعدد من الموظفين،  ولا تريد أن يقتصر دورها على التوثيق وتبادل الرسائل، بينما يريدها العامة قوة مجتمعية تساهم في تحسين ظروف حياتهم ونوعية حياتهم وإيقاف توغل وظلم السلطات السياسية وأجهزتها التنفيذية. ويمكن لهذه المنظمات والقائمين عليها . ولعل بداية تصويب الأوضاع تكمن الوصول لإجابة عن سؤال واحد وهو:  لماذا النظر لها بعين الشك والريبة حتى من العامة وجمهورها لتعرف الإجابة. والإجابة التي ستصل لها هذه المنظمات متعلق بمبرر وجودها وشرعيتها التي ستكتسبها من عملها على الأرض وموقف العامة منها.

لدى المنظمات غير الحكومية او الأهلية عدد من المعضلات الجوهرية والقضايا الحقيقية  والتي يستوجب معالجتها، فكيف للعامة أن تقتنع أن من يدعو للديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة لا يمارس هذه الديمقراطية داخل منظمته سواء في الدعوة للمشاركة المجتمعية وإعداد البرامج، ومن يدعو للشفافية لا يمارس الشفافية داخليا، ومن ينتقد السلطة الفلسطينية بأن جزء كبير من موازناتها تذهب رواتب، فهذا هو حال المنظمات غير الحكومية او الأهلية أيضا . أن التمسك بجملة أن دور الحكومة هو تقديم الخدمات حصرا وليس مطلوب من المنظمات الأهلية تقديم الخدمات في مجالها للعامة يقع في خطأ قاتل ويزيد من ريبة وشك العامة.  

واخيرا أن المنظمات الأهلية في الأراضي الفلسطينية هي منظمات عامة، ممتلكاتها للشعب الفلسطيني ، فهذا هو أساسها، وتخصصها في قطاعات معين لا يفهم أنها منظمات خاصة، وخدماتها.

برأيي يجب ان تكون وفق احتياجات وأولويات احتياجات العامة، فالدفاع عن حق الأفراد بالتعلم يعني المساهمة في توفير متطلبات وأنشطة التعلم وليس الاكتفاء بالحديث عنه ومطالبة السلطة التنفيذية فقط بذلك.  وطبعا أن قاعدة الشراكة في الهموم والمشاكل وحل المعضلات تعني الشراكة في القرار ، وهذا الأساس لا يمكن القفز عنه. وعليه أن اعادة إعداد وتشكيل برامج المنظمات الأهلية وفق لمتطلبات الجمهور لا يزيد فقط الثقة بها بل تقترب من المساهمة والاشتراك في صنع القرار وكسر تفرد وهيمنة الجهات الحكومية.

كلمات دلالية

اخر الأخبار