فيلم أميرة..؟!

تابعنا على:   10:12 2021-12-09

أشرف صالح

أمد/ فيلم أميرة ترك لنا كثير من علامات الإستفهام  والإستهجان  , لأنه وببساطة وسهولة كان من الممكن أن يجد صاحب الفكرة وكاتب السيناريو موضوعاً مهماً في قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الإحتلال كي يتجسد في فيلم سينمائي , فهناك الكثير من قضايا الأسرى تستحق أن نسلط الضوء عليها في أي عمل درامي أو سينمائي أو حتى مسرحي , ولكن صناع فيلم أميرة إختاروا موضوعاً حساساً للغاية بدافع كسب الشهرة والمال , بعيداً عن مشاعر الأسرى وذويهم , فمثلاً لو إختاروا للفيلم قصة الستة أبطال اللذين كسروا هيبة المنظومة الأمنية لأكبر سجن في إسرائيل من ناحية التحصين الأمني , أو مثلاً العمليات المعقدة  لتهريب الهواتف النقالة للسجون , أو مثلاً خوض الإضراب المفتوح عن الطعام لأكثر من مئة يوم بهدف نيل الحرية "رغم تحفظي شخصياً ومن الناحية الشرعية على الإضراب عن الطعام حتى هلاك الصحة"  ولكن تبقى هذه القضية بالنسبة للعامة قضية حرية ووطنية , فهناك الكثير والكثير من المواضيع التي تخص الأسرى وتستحق أن تتجسد في فيلم سينمائي يحصل على جوائز عالمية , ويشاهد في عواصم عالمية , فالإخفاق في فيلم أميرة من وجهة نظري يتركز على الإختيار الغير مناسب لموضوع الفيلم بحد ذاته .

لم أشاهد الفيلم كاملاً ولكني ومن خلال متابعة التقارير الإخبارية التي تتحدث عن الفيلم , عرفت أنه يتحدث عن معاناة الأسرى من ناحية الحلم الذي يحلم به كل شاب فلسطيني , وهو أن يتزوج ويكون أسرة تحمل إسمه ,  وبالتالي أتت فكرة تهريب نطفة من السجين الى زوجته وبطريقة شرعية وطبية محكمة  تتيح  للسجين أن يكون أب  لطفلاً يحمل إسمه وهو بداخل السجن , ومن هنا أراد صناع الفيلم أن يقدموا عملاً فنياً يصور معاناة الأسرى من هذه الزاوية الحساسة , ولكنهم أخفقوا عندما أضافوا الى هذه المعاناة معاناة جديدة , وهي أن عملية نقل النطفة من داخل السجن الى خارجة هي عملية غير آمنة , وأنه من الممكن وبكل سهولة تبديل النطفة بنطفة رجل آخر , وبالتالي يتم الإختلاط بالنسب , وهذا بالطبع أمر خطير وحساس وخاصة في مجتمع  ديني وقبلي مثل المجتمع  الفلسطيني , فلو إقتصر الفيلم على موضوع تهريب النطفة من السجن , وتسليط الضوء على المعاناة  في عملية التهريب  والتكتيك والتخطيط  والسرية والإصرار الذي يتحلى بهما كل أسير فلسطيني داخل السجن , ودون التطرق الى الحبكة السينمائية  والتي حولت الفيلم من فيلم داعم للأسرى الى فيلم يشكك في نسب أطفال الأسرى , لكان الفيلم ناجحاً بإمتياز وخاصة من الزاوية الأخلاقية .

إن فيلم أميرة لم يمس شرف الأسرى أو سلوكياتهم , ولم يشكك في عدالة قضيتهم , ولكنه تحدث عن موضوعاً إفتراضياً فيما  لو حدث فهو يعتبر كارثة حقيقية للأسرى , فالكارثة هنا وبحسب خيال كاتب السيناريو , هي  عندما يتآمر واحداً من إدارة السجن أو عميلاً من داخل السجن او طبيباً  في قضية نقل النطفة ويتم تبديلها بنطفة أخرى , فهذا يعني بحسب خيال الكاتب أن الأسير وزوجتة سيحتضنان طفلاً ليس منهما , وبالطبع كاتب السيناريو يوضح ومن خلال الأحداث أن ما حدث هو ليس من ذنب الأسير وزوجته , بل حدث بفعل الخيانة من قبل إدارة السجن أو أحد العملاء  أو أحد الأطباء المتعاونين مع الإحتلال , ومن هنا صناع الفيلم قدموا الأسير كضحية لهذه المؤآمرة في حال تمت , ومع ذلك كان يجب تقديم قضية الأسرى بشكل أكثر إحتراماً لهم , وبشكل يليق بمكانتهم النضالية .

صناع فيلم أميرة أخفقوا في إختيار الحبكة السينمائية التي وظيفتها رفع مستوى التراجيديا والدراما بهدف تهييج مشاعر المشاهدين , ربما يكونوا حصلوا على تهييج مشاعر بعض المشاهدين , ولكنهم فتحوا أبواب من التساؤلات لدى كل عائلة أسير فلسطيني بما يخص موضوع النسب , وفتحوا جراحاً في قلب كل أسير وقلب كل ذوي أسير , ورغم أن مخرج الفيلم إختار عمر الفتاة التي تمثل دور إبنة الأسير سبعة عشر عاماً كي يحمي نفسه من الإنتقاد أو المسائلة القانونية , وقال لوسائل الإعلام أن عمر الفتاة في الفيلم سبعة عشر عاماً , وعمر أكبر طفل لأسير فلسطيني بطريقة تهريب النطفة هو عشر سنوات , فهذا يعني أن الفيلم لا يمثل واقعاً علمياً بل هو مجرد خيال إفتراضي يجسد معاناة الاسرى في حال تحول هذا الإفتراض الى أمر واقع , ومع ذلك لم ينجح المخرج في سد باب التساؤلات في ضمير وعقل كل أسير فلسطيني أو ذويه , لأن الأمور تقاس بالفكرة بحد ذاتها وليس بالتوقيت والتاريخ , فالآن وبعد هذه الضجة الذي أحدثها فيلم أميرة , أصبح كل أسير فلسطيني يتساءل بداخل نفسه ويقول : هل يا ترا تمت عملية نقل نطفتي بسلام وأمان ؟ وهل يا ترا لم يحدث إختراق أو خطأ أو خيانة طوال هذه السنوات في عمليات نقل النطفات من داخل السجن الى خارجه...إلخ ؟ إن هذه التساؤلات هي من أخطر الأبواب التي فتحها علينا صناع فيلم أميرة سواء بقصد أو بدون قصد .

كلمات دلالية

اخر الأخبار