الحصاد المر لحروب الإرهاب الأمريكية

تابعنا على:   12:19 2022-01-09

 عاصم عبد الخالق

أمد/ مثل غيرهم من الشعوب عاش الأمريكيون لحظات صعبة وأزمات عسيرة وتجارب مؤلمة خلال العام الماضى إلا أنهم سيذكرونه بالخير لأنه العام الذى شهد نهاية أطول حرب فى تاريخهم بالانسحاب من أفغانستان. لا يتوقف المواطن الأمريكى كثيرا أمام ثرثرة الإعلام وجعجعة السياسيين حول الهزيمة أو الأسلوب الفوضوى المهين الذى تم به الانسحاب، أو ما يقال عن فشل المشروع الأمريكى وسيطرة طالبان على الحكم أى العودة لنفس النقطة التى بدأ عندها الغزو.

لا يأبه المواطن العادى بكل هذا الهراء ما يعنيه فى المقام الأول، بعد أمنه الشخصى، هو ألا تضيع أموال ضرائبه فى مغامرات خارجية مشابهة حتى لا يؤثر ذلك على فرصه فى العمل ومستوى معيشته ورفاهيته. يحرص أيضا على وقف نزيف الدماء (الأمريكية بالطبع فلا يعنيه غيرها). ويستبشر خيرا بأن تكون نهاية هذه الحرب الطويلة التى استهلت بها بلاده حربها العالمية ضد الإرهاب، خاتمة لعصر الحروب الأبدية التى تخوضها فى العالم.

التوقف عن الحروب الخارجية هدف يلتقى حوله فى الوقت الراهن معظم السياسيين الأمريكيين المعتدلين من المعسكرين الجمهورى والديمقراطى. التزم به اوباما ثم ترامب وصولا للرئيس جو بايدن. لكن هل تستطيع أمريكا بمصالحها الهائلة والمتغلغلة فى أنحاء العالم، وفى ظل تركيبة نظامها السياسى الذى تحدد توجهاته داخليا وخارجيا جماعات المصالح ذات النفوذ الضخم والمتعارض، أن تتوقف عن التدخل فى شئون الآخرين بالوسائل السلمية أو العسكرية إن اقتضى الأمر؟. وإذا كانت مغامراتها الخارجية تتم منذ 2001 بدعوى الحرب على الإرهاب، فهل حققت تلك الحرب نتائجها المرجوة؟

لا نحتاج لوقت وجهد كبيرين بحثا عن إجابات للسؤالين فقد تكفل بالمهمة الرئيس بايدن ووزير خارجيته بلينكن فى تقريرين صدرا عنهما قبل نهاية العام بأيام وفيهما الإجابة الشافية. قدم بايدن تقريره إلى الكونجرس حول جهود محاربة الإرهاب خلال العالم الماضى، بينما جاءت شهادة الوزير عبر التقرير السنوى للخارجية بشأن حصاد العمليات الإرهابية بالعالم خلال العام الماضى. وبما أنه صدر فى أواخر 2021 فقد تضمن نتائج 2020.

السؤال الأول وهو هل تتوقف أمريكا عن حروبها الخارجية؟ جاءت أجابته بالنفى القاطع من واقع شهادة بايدن نفسه، حتى ولو لم يقرر ذلك بكلمات واضحة. أمريكا فى حالة هدنة مؤقتة تمتنع خلالها عن الحروب الكبيرة الشاملة، لكن عملياتها العسكرية برا وبحرا وجوا مستمرة بلا انقطاع، وهذا ما أكده بايدن بوضوح فى تقريره. حديث القادة الأمريكيين عن نهاية الحروب الأبدية مقصود به الغزوات الكبرى على غرار العراق وأفغانستان وليس العمليات العسكرية الخارجية، أو الحرب بالوكالة التى لم ولن تتوقف لحظة واحدة. سنعود إلى ما قاله بايدن تأكيدا لهذه الحقيقة بعد أن نتصدى للسؤال الثانى حول نتائج عقدين من الحرب على الإرهاب وهل حققت أهدافها؟.

هنا أيضا الإجابة بالنفى إذ قطع بلينكن قول كل خطيب باعترافه فى تقريره بأن عدد الهجمات الإرهابية وضحاياها بالعالم ارتفع 10% فى 2020 مقارنة بعام 2019. التطور الخطير، ربما بالنسبة لنا وليس لأمريكا، هو أن الجانب الأكبر من نشاط الجماعات الإرهابية انتقل إلى إفريقيا. ويشير التقرير إلى أن ضحايا الإرهاب فى غرب القارة فقط تضاعف من 2700 قتيل فى 2017 إلى خمسة آلاف قتيل فى 2020.

لدى الكونجرس تقرير آخر يوضح أنه عندما بدأت أمريكا حربها ضد الإرهاب فى 2001 كانت تدرج 32 منظمة بالعالم على قائمتها للجماعات الإرهابية. اليوم وبعد حروب استمرت 20 عاما يتجاوز عدد ضحاياها 300 ضعف عدد ضحايا هجمات سبتمبر، تضم قائمة الإرهاب الأمريكية أسماء 69 منظمة. أى أن عدد الجماعات الإرهابية تضاعف فى ظل الحرب عليها، وكأنها حرب لدعم الإرهاب وليس اقتلاعه.

بالعودة إلى تقرير بايدن تكتمل الصورة عن مستقبل الحروب الأمريكية الأبدية. تحدث التقرير عن القوات التى تم إرسالها أو دعم الموجود منها خلال العام الماضى بالشرق الأوسط والخليج وإفريقيا واسيا، والعمليات التى تنفذها فى هذه المناطق، وهى للعلم ليست قاصرة على اليمن والعراق وسوريا وأفغانستان.

ما لم يقله بايدن كشفته دراسة مهمة لمعهد واتسون للشئون العامة والدولية بجامعة برون الأمريكية وهو أن واشنطن توسعت بصورة غير مسبوقة فى أنشطتها العسكرية الخارجية خلال السنوات الثلاث الماضية لتشمل 85 دولة. تتراوح هذه الأنشطة ما بين عمليات قتالية مباشرة أو دعم للقوات المحلية فى عملياتها إلى العمليات الاستخبارية والتدريبات والاستشارات.

يقدم التقرير أيضا صورة مفزعة لحصاد حروب الإرهاب الأمريكية ويقدر عدد ضحاياها بأكثر من مليون قتيل غير ملايين المصابين وأكثر من 38 مليون لاجئ ومشرد. أما تكلفتها فتتجاوز ثمانية تريليونات دولار بما فيها تعويضات وعلاج العسكريين الأمريكيين.

باسم مكافحة الإرهاب اقترفت أمريكا (ومازالت) كل هذه الأخطاء والخطايا فى ظل حكم أربعة رؤساء. دول كاملة تم تدميرها، ملايين القتلى والمصابين والمشردين، وملايين غيرهم أصبحت حياتهم جحيما لا يطاق ومازالوا يدفعون الثمن.

عندما قرر الرئيس السابق جورج بوش الابن شن حربه العالمية ضد الإرهاب قال: «إن الحرب ستبدأ بأفغانستان لكن لن تتوقف عندها»، وقد صدق. قال أيضا، وسط تصفيق أعضاء الكونجرس الذين وافقوا على قانون التفويض باستخدام القوة العسكرية، :«إن مسار الحرب غير معروف لكن نتيجتها مؤكدة»، هذه المرة كذب. بعد عقدين من القتال، وانهار الدماء المستباحة، وتريليونات الدولارات المهدرة وهزيمتين فى العراق وأفغانستان، فإن النتيجة الوحيدة المؤكدة هى أن بوش وخلفاءه وجنودهم كانوا خاطئين.