اسرائيل والمليشيات اليهودية المسلحة ... عودة إلى المريع الأول عام 1948

تابعنا على:   13:00 2022-07-27

مهند الصبّاح

أمد/ منذ أقل من شهرين وفي أيامه الأخيرة في الحكم أعلن نفتالي بنيت عن إقامة الحرس القومي الاسرائيلي والذي يعتمد بالأساس على انضمام المتطوعين من المستوطنين ومن الذين خدموا في الجيش الاسرائيلي. جاء هذا القرار بدعم من وزيرة الداخلية أيلت شاكيد وبمعارضة وزير الأمن الداخلي في الحكومة. ومن المتوقع أن ينضوي حت هذه الوحدة حوالي 3500 عنصر حتى نهاية العام، بحيث ستوكل إليها مهام محددة في مناطق جغرافية محددة، وهذه المهام هي: منع تسلل مواطني الضفة الغربية الى الداخل الفلسطيني، محاربة تهريب السلاح من معسكرات الجيش الاسرائيلي، محاربة الجرائم الزراعية ( زراعة المخدرات)، وايضا التعامل مع انتشار السلاح غير المرخص. وفي الاسبوع الماضي تم الاعلان عن اقامة وحدة مشابه في مدينة القدس تحت اسم ( مجين) أي الدرع بالعربية. 
الادعاء الاسرائيلي الرسمي الكامن وراء إقامة مثل هذه المليشيات هو إيجاد مجموعات داعمة لجهاز الشرطة الاسرائيلية وتعزيز الشعور بالأمن الشخصي للإسرائيلي من خلال توزيع المناطق الجغرافية بين تلك الوحدات المدنية المسلحة.
ومن المفهوم ضمنا أن عمل هذه الوحدات سوف يرتكز على محاربة الفلسطيني وملاحقته بين الزقاق. وبالعودة قليلا الى أحداث رمضان من العام الماضي حيث شاهدنا المسلحين من مستوطنات الضفة الغربية يقتحمون المدن الفلسطينية المختلطة في الداخل الفلسطيني بحجة حماية اليهود من العرب في تلك المدن. وإذا ما عدنا الى الوراء وتحديدا عام 2015 ( انتفاضة السكاكين ) في القدس حيث كان القتل بالمجان وبتهم مغلفة ومعدة بشكل مسبق، حينها كان اليهودي يقتل الفلسطيني في شوارع القدس فقط لمجرد الاشتباه به. وفي اليوم التالي تتصدر صورة القاتل في الصحف والمواقع الاجتماعية تحت عنوان " بطل اليوم ". أي بمعنى آخر هناك قبولا اجتماعيا للفكرة.
لكن لهذه الخطوة – إقامة الميلشيات اليهودية المسلحة- أبعادا كثيرة على المجتمع الاسرائيلي الذي يعاني من تغيرات عمودية وأفقية عديدة. 
لا يمكننا فهم المستقبل إلا إذا ادركنا تماما تفاصيل الماضي، وهنا أنا لا اريد الخوص في المسألة الجدلية الدائرة بين المؤرخين حول إذا ما كان التاريخ يعيد نفسه أم هو عبارة عن سهم منطلق نحو الأمام. وبالمقابل أجد نفسي مشدودا إلى الوراء كي أحاول تفسير وفهم الأبعاد الكامنة في مثل كهذا خطوة.
قبيل إقامة اسرائيل وظهورها ككيان سياسي، كانت المجموعات الصهيونية تعمل على الأرض الفلسطينية مثل الهاجاناه، شتيرن، إتسل، وغيرها. وكل مجموعة تنضوي تحت قيادة خاصة وتنفرد برؤيا خاصة بها وقرارات ميدانية خاصة في المناطق الجغرافية الموزعة بينهم، بيد أن فكرة إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين هي من وحدت الجهود على الرغم من التضارب فيما بينها، وهذا ما انتبه إليه بن غوريون لذا قام بتوحيد كل المجموعات المسلحة غير النظامية في مؤسسة أمنية واحدة أطلق عليها أسم " جيش الدفاع الإسرائيلي " تحت قيادة مركزية واحدة، وجميعنا يذكر الاشتباك بين منظمة إتسل بقيادة بيجن / جابوتنسكي وبين الجيش الناشئ بقيادة بن غوريون ومقتل العديد من الطرفين فقط بعد عدة أسابيع من إقامة إسرائيل. 
بالعودة الى الحرس القومي الاسرائيلي، وإذا ما وضعناه في سياق تاريخي دائري فيمكننا قراءة هذا الإنشاء على ثلاثة أصعد:
أولا: تعبر خطوة الانشاء عن ضعف المؤسسة الأمنية الرسمية في قيامها بمهامها كأي جهاز في أي دولة تعتبر نفسها دولة متطورة في منظمة ال OECD والتي اسرائيل عضوا فيها. أي يمكننا القول أن ضعف مؤسسات الدولة الأمنية في حماية مواطنيها لهو مؤشرا هاما على كون الدولة دولة فاشلة، وذلك حسب الباحثين في هذا المجال. وفشل الدولة في حماية مواطنيها ستدفعهم الى البحث عن بدائل أمنية أخرى.
ثانيا: القبول الاجتماعي الاسرائيلي، لقد أشرنا سابقا لأحداث انتفاضة السكاكين في القدس و " بطل اليوم " في المفهوم الاجتماعي الاسرائيلي آنذاك. واليوم ذات المجتمع يرحب بإنشاء المجموعات اليهودية المسلحة، وهذا لدليل على الشعور العام بانعدام الأمن الشخصي للإسرائيلي بعدما فقد الشعور الجمعي بذلك، وايضا يعبر هذا القبول عن مدى تدهور ثقته في المؤسسة الامنية الاسرائيلية. والأمر هنا ليس ببسيط، فلطالما كانت أسطورة الشاباك والأمن مصدر فخر للإسرائيلي و كانت تمدّه بالمعنويات الإيجابية على المستوى الفردي وتنعكس ايجابيا أيضا على المجتمع ككل وتزيد من قوة التلاصق بين مركباته على مستوى الأفراد والجماعات. أما اليوم فالأمور مختلفة نوعا ما، فعدم الشعور بالأمن الشخصي وتزعزع الثقة بالمؤسسة الأمنية يدفعه نحو البحث عن الخلاص الفردي وتلبية احتياجاته البشرية بعد المأكل والمشرب ألا وهي احتياج الشعور بالأمان حسب سلم مازلو. وهذا ما ستستغله المليشيات في التوسع أفقيا / جغرافيا،  و عموديا / سياسيا. وهذا مدعاة الى التنافس مستقبلا. 
ثالثا والأهم: مستقبل هذه المليشيات المسلحة، قد ذكرنا في مقال سابق أن عدم استقرار المنظومة السياسية في اسرائيل مرّده الى عمق الأزمة الحاصلة بين مركبات المجتمع. وعلى الرغم من كون هذه المليشيات تخضع لإدارة مركزية في الوقت الراهن، لكن مع تعمق الخلاف والاختلاف بين مركبات المجتمع ومع عدم شعور الاسرائيلي بالأمان على المستوى الشخصي والجماعي، وفي ظل الموجهات المستمرة بين الحين والآخر بين اليهود والعرب الفلسطينيين، والأهم هو انضواء المستوطنين في هذه المجموعات مع المتطوعين من أصحاب التوجه اليميني المتطرف، ومع تعاظم القبول الاجتماعي للفكرة فكل هذه المعطيات ستدفع بتلك المجموعات لأن تكون شريكا أساسيا في اتخاذ القرار الرسمي ومع مرور الوقت ستتمرّد على القرار المركزي لتدير عملياتها بشكل مستقل، وبالتالي سيكون تضارب المصالح سيد الموقف بين المليشيات المسلحة من جهة وبينها وبين المؤسسة الرسمية من جهة أخرى. الأمر الذي ربما سيدفع التجمعات السكانية الاسرائيلية الأخرى- الروس، اليهود الفلاشة،...،.- الى  إنشاء وحدات مسلحة وبشكل منفرد تكون قادرة على حمايتهم من المجموعات اليهودية أو من الفلسطينيين على حد سواء. 
لا يمكننا فهم المستقبل إلا إذا ادركنا تماما تفاصيل الماضي، فإسرائيل قامت عام 1948 بفضل مجهودات العصابات الصهيونية في الميدان ونجحت باحتواء كل تلك العصابات التي كانت تحيّد الخلاف فيما بينها من أجل إقامة دولة لكل اليهود. واليوم نرى تفكيكا للدولة وبذات الوسيلة التي قامت بها عام 1948.
 وهنا يستحضرنا ما قاله رئيس الموساد السابق تامير باردو حول " تفعيل إسرائيل لآلة التدمير الذاتي ".

كلمات دلالية

اخر الأخبار