انفلات الفاشية الإسرائيلية

تابعنا على:   09:44 2023-07-30

نهاد أبو غوش

أمد/ انتقلت المواجهة بين حكومة التطرف اليميني الإسرائيلية وخصومها إلى مستوى نوعي جديد بعد مصادقة الكنيست يوم الإثنين الماضي على قانون "تقليص حجة المعقولية"، بعدما تجاهل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كل دعوات الحوار الداخلية، ومعها النصائح والتحذيرات الخارجية، وآثر الذهاب حتى نهاية الشوط مفضلا تماسك ائتلافه الحكومي مع غلاة المتطرفين والمستوطنين، على الوصول إلى توافق عريض كان ممكنا ومتاحا، فأدخل إسرائيل في أزمة شاملة لا سابق لها في حجمها وتأثيراتها المحتملة على مستقبل النظام السياسي وعلى مستقبل إسرائيل ذاتها .

من المبررات التي تُساق لتفسير ما يحدث أن نتنياهو يقامر بكل شيء لأسبابه الشخصية، أي البقاء في السلطة والتملص من المحاكمة التي قد تقوده إلى السجن بسبب تهم الفساد، وهذا يبدو صحيحا إلى حد كبير من معرفة سلوك نتنياهو وانتهازيته وأحابيله، لكن ذلك ليس كافيا لتبرير موجة الاحتجاجات الصاخبة التي تعصف بإسرائيل منذ سبعة اشهر، فهي لم تعد مجرد صراع بين حكومة ائتلاف اليمين من جهة وبين أحزاب المعارضة في المقابل،  ولكنها باتت مواجهة بين الحكومة والقوى السياسية المتطرفة المشكلة للائتلاف وبين قطاعات وشرائح عريضة في المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك المؤسسة العسكرية وقطاع الأعمال والنقابات والسلك الأكاديمي والقضائي والمثقفين وسكان مدن الساحل، والطبقة الوسطى واليهود الأشكناز بشكل عام، ونجحت هذه الأزمة في إخراج كل التناقضات والتباينات العرقية والمذهبية والطبقية الكامنة في المجتمع الإسرائيلي والتي لم تذُبْ ولم تتقلص على امتداد ثلاثة أرباع القرن من عمر هذه الدولة.

لا يقتصر الأمر على وجود تباينات ايديولوجية وفقهية حول مكانة السلطة القضائية وصلاحيات المحكمة العليا، فهذه المسائل كانت حاضرة على الدوام ويمكن العثور عليها داخل الحزب الواحد، لكن إسرائيل باتت أمام انقلاب شامل من شأنه تغيير طبيعة النظام السياسي، وتحويله من نظام ديمقراطي مخصص لليهود ومكرس لتفوقهم، إلى نظام استبدادي شوفيني على خطى الأنظمة الفاشية والنازية وأنظمة اليمين الشعبوي التي جاء بها المحافظون الجدد وانتشرت في بعض دول وسط أوروبا مثل المجر والتشيك وفي إيطاليا مؤخرا.

ليست الديمقراطية الغربية وصفة مؤكدة لجودة الحكم وإنسانيته بالطبع، ففي عهد أنظمة ديمقراطية غربية ارتكبت الدول الاستعمارية الأوروبية ابشع المجازر بحق شعوب المستعمرات في آسيا وافريقيا، وكذلك هي الديمقراطية الإسرائيلية التي لم تتورع عن اعتماد المجازر كإحدى الأدوات الرئيسية لتحقيق أهداف الدولة والمجتمع الاستيطاني الجديد الذي أقيم على أنقاض كيان الشعب الفلسطيني وحقوقه ونكبته الكبرى. لكن هذه الديمقراطية الإسرائيلية وما يرتبط بها من هوامش لحرية التعبير وتوازن بين السلطات، على الرغم من عنصريتها وتشوهاتها، وظروف نشأتها الاستعمارية والدموية ظلت تمثل – إلى جانب الدعم الميركي المطلق- أحد أركان القوة للكيان الناشئ، وجعلته  مركز جذب ليهود العالم، ومثار إعجاب كذلك لدى أوساط واسعة في الغرب الراسمالي.

خطة الانقلاب القضائي ليست سوى البداية في مشروع استبدادي يهدف لتقليص مساحات الديمقراطية حتى مع كونها ديمقراطية مجزوءة ومفصلة على مقاسات الهيمنة الصهيونية اليهودية، ولعل في حجم الاحتجاجات الواسعة والتحذيرات التي لا تتوقف من الانزلاق إلى حرب اهلية ما يؤكد أن ثمة كثيرا من التغييرات يعتزم اليمين المتطرف فرضها بما في ذلك التدخل في الحريات المدنية وفرض نمط من الإكراه الديني على الحياة العامة ومناهج التعليم، أما المجال الأهم والأرحب لتجليات السياسة الفاشية الإسرائيلية فسيكون طبعا ضد الفلسطينيين سواء فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1967، أو ضد اولئك الباقين على أرضهم في المناطق المحتلة عام 1948 من خلال العمل على نزع شرعيتهم السياسية وفصم ارتباطهم بشعبهم الفلسطيني، ومنع تحولهم إلى قوة مؤثرة في مجرى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

من الإجراءات التي يرجح أن تقدم عليها الدولة الإسرائيلية اعتبار بعض الأحزاب والحركات العاملة في وسط فلسطينيي الداخل خارج نطاق الشرعية والقانون، كما جرى سابقا مع الجناح الشمالي للحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح، وسن تشريعات وإصدار تعليمات تمنع اي تعبير عن الهوية الفلسطينية مثل رفع العلم الفلسطيني وإحياء ذكرى النكبة والارتباط بأي وظيفة أو دور مع أجسام فلسطينية بما فيها السلطة تحت طائلة سحب الجنسية والإبعاد إلى مناطق السلطة.

استكمال الانقلاب القضائي يعني إزالة ما تبقى من قيود وضوابط قد تكبح الحكومة الفاشية الإسرائيلية وآلة الحرب الدموية وتحد من اندفاعها في تنفيذ خطة حسم الصراع بقوة الحديد والنار وبمعزل عن اي مفاوضات أو تفاهمات مسبقة، ومن دون اي حساب أو اعتبار لقانون دولي أو راي عام، فاليمين الفاشي في إسرائيل يرى أن الظرف الحالي يمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر في ضوء توفر أغلبية يمينية مريحة تصوت بشكل ميكانيكي مع اي توجه تطرحه الحكومة، ومن الملاحظ أن جميع الاقتراحات ومشاريع القوانين التي طرحها الائتلاف الحكومي حتى الآن حظيت باغلبية 64 صوتا، وإذا نقص العدد عن ذلك مرة أو مرتين فبسبب غياب أو سفر أحد الأعضاء وليس بسبب اعتراضه على القرار. يضاف إلى ذلك الحالة الفلسطينية المنقسمة والتي تغري إسرائيل بالتمادي في عدوانها، وثقة إسرائيل إلى أن المواقف الدولية لن تزيد في أحسن الحالات  عن بيانات الشجب والإدانة أو الإعراب عن القلق.

وإزاء انفلات اليمين الإسرائيلي، يجدر التمييز بين العقبات التي تعترضه على الصعيد الداخلي الإسرائيلي وخصوصا موقف المحكمة العليا واتساع الاحتجاجات إلى درجة قد تدفع إلى تصدع الائتلاف وحزب الليكود الذي تخشى بعض قياداته من خسارة بعض قواعده بسبب ارتهان نتنياهو لبن جفير وسموتريتش. وبين ما يمكن أن يجري على الصعيد الفلسطيني وخطة حسم الصراع، فلا تبدو في الأفق اي كوابح يمكن لها أن تردع حكومة اليمين الفاشي لا سيما وأن عناصر السياسة الإسرائيلية التصفوية تجاه الفلسطينيين ليست محل خلاف بين الحكومة والمعارضةن بل إن قادة المعارضة أمثال بينيت وغانتس ولابيد هم الذين دشنوا هذه المرحلة الدموية من الاغتيالات واستباحة الأراضي الفلسطينية.

إسرائيل واضحة وموحدة تجاهنا، أما ما نحن الفلسطينيين فاعلون فهو برسم الأخوة والرفاق المجتمعين في القاهرة.

اخر الأخبار