التطبيع السعودي - الإسرائيلي، المسار المتدرج

تابعنا على:   18:19 2023-11-30

حسن هنيدي

أمد/  

    المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات

              «ملف»

التطبيع السعودي - الإسرائيلي

«المسار المتدرج»

فؤاد بكر

رئيس الدائرة القانونية

في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

■ تمهيد

1- التطبيع في ميزان المصالح السعودية

2-  في مجرى الأحداث

3- «الملف الفلسطيني» في محادثات التطبيع

4- خلاصات

 

تمهيد

■ ترتبط المملكة العربية السعودية بالقضية الفلسطينية ببعدين: عربي وإسلامي؛ فهي مكون أساسي من «العمل العربي المشترك»، بخصوص المسألة الفلسطينية وقضايا الصراع العربي – الإسرائيلي عموماً، وقد تقدمت بمشروع مبادرة سياسية تبنتها القمة العربية في بيروت تحت عنوان «مبادرة السلام العربية»- 2002. وتشترط المبادرة «إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار السلام الشامل» بانسحاب الأخيرة من «الأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك الجولان السوري، وحتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967، والأراضي التي مازالت محتلة في جنوب لبنان»، و«قبول قيام دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو (حزيران) 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية»، كما و«التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين متفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 194».

كذلك الأمر، فإن السعودية طرف مؤثر في منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة موزعة على 4 قارات، ويبلغ عدد سكانها نحو 1,7 مليار نسمة - 2015. وتشكل هذه الدول كتلة تصويتية كبيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤيد حقوق الشعب الفلسطيني وتقف ضد الانتهاكات الإسرائيلية بحق المقدسات الإسلامية، وخاصة في القدس.

ومن خلال موقعيها، العربي والإسلامي، تبلورت السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية وفق مبدأ أساسي هو دعم حقوق الشعب الفلسطيني، والتمسك بالدفاع عن المقدسات الإسلامية وخصوصاً في القدس، باعتبار المملكة مرجعية إسلامية بارزة مسلم بموقعيتها، وعاهلها يحمل لقب «خادم الحرمين».

■ يتبنى ولي العهد محمد بن سلمان، مقاربة سياسية مختلفة للصراع العربي والفلسطيني - الإسرائيلي وفق رؤية يلخصها شعار: «السعودية أولا»، الذي يعني أيضاً أن حل النزاعات الإقليمية ينبغي ألا يكون على حساب مصالح المملكة وأولوياتها السياسية والأمنية، وغيرها..

على هذه الخلفية صرَّح بن سلمان لمجلة «أتلانتيك ماغازين» - 3/2022، بأن «السعودية لا تعتبر إسرائيل عدواً، بل حليفًا لها، حيث تجمع الدولتين مصالح مشتركة..». وفي معرض اندفاعته نحو التطبيع مع إسرائيل، ينظر بن سلمان إلى الموقف التقليدي لبلاده المنحاز للقضية الفلسطينية مع إدارة الظهر لإسرائيل باعتباره «إرثاً ثقيلاً» يُقيد توجهه نحو تغيير مسار المملكة، بما فيه تحوّلها إلى الانضمام لركب التطبيع. ووفق هذه الرؤية، كانت السعودية من ضمن الأطراف التي شجعت على توقيع «إتفاقات أبراهام»- 2020. ومنذ ذلك الوقت، رأى مراقبون أن تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب بات يقع في المدى المنظور [سايمون هندرسون/«الدبلوماسية السعودية الإسرائيلية تمضي قدماً وسط تحديات تلوح في الأفق في الشرق الأوسط»/ «معهد واشنطن»- 27/11/2020].

■ من جهة أخرى، وبسبب الموقف السعودي التقليدي تجاه القضية الفلسطينية، والذي لايزال يتمسك به الملك سلمان وعدد من أمراء العائلة الحاكمة المؤثرين في عملية إتخاذ القرار، قدَّر المراقبون أن تطبيع الرياض مع إسرائيل سيأخذ مساراً متدرجاً، متمهلاً، إنجازه رهن بتلبية واشنطن للمطالب الأمنية والاقتصادية والسياسية التي طرحتها السعودية مقابل ذلك، دون أن يعني هذا عدم تمرير الرياض بقيادة ولي العهد لخطوات تطبيعية مدروسة مع إسرائيل من «تحت الطاولة»، قبل إنجاز الاتفاق، لـ«إثبات» جدية ولي العهد في توجهه نحو التطبيع أولاً، وضمن تقدير – ثانياً - يقول بأن مثل هذه الخطوات ستطمئن تل أبيب وتجعلها أكثر تفهماً للمطالب التي تسعى إلى تحقيقها السعودية من خلال مباحثاتها مع إدارة بايدن بشأن التطبيع، وخاصة أنها تمس قضايا استراتيجية ذات شأن على الصعيد الأمني.

■ ضمن هذا التوجه، أشارت عديد من المصادر إلى أنّ شركات إسرائيلية تتعاون مع نظيراتها السعودية بطرق وأشكال وأساليب مختلفة، كما نشرت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن زيارة قامت بها مجموعة من الصحافيين الإسرائيليين بصورة سرية إلى المملكة السعودية، واستخدمت المجموعة جوازات سفر أجنبية [ميرال قطينة/«النهار العربي»- 6/7/2022]، كما أن السعودية فتحت مجالها الجوي أمام الرحلات الجوية الإسرائيلية بعد توقيع «إتفاقيات إبراهام». لكن مع تقدم المباحثات السعودية - الأميركية حول التطبيع، أضحت هذه الخطوات علنية، فاستقبلت المملكة وفداً رسمياً إسرائيلياً- 11/9/2023، حضر إجتماع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في الرياض، وهذه أول زيارة علنية لوفد إسرائيلي إلى السعودية، ثم استقبلت وزير السياحة الإسرائيلي حاييم كاتس، مشاركاً في مؤتمر منظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة، الذي استضافته المملكة - 27/9/2023.

وبعد توقيع الاتفاق المصري ـ السعودي بشأن نقل جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى السعودية ــ 2016، أشار مراقبون إلى أن الرياض قدمت لإسرائيل، في سياق المباحثات حول آليات تنفيذ الاتفاق ــ 2022، تعهداً بضمان حرية الملاحة البحرية أمامها، إلى جانب ضمانات أمنية نصت عليها معاهدة السلام المصرية/ الإسرائيلية - 1979، فيما يتعلق بالرقابة على حركة الملاحة في مضيق تيران. [ديفيد شينكر:«التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والسعودية بشأن تيران وصنافير»/ معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى - 7/7/2022].

■ تسعى السعودية في ظل قيادة ولي العهد، محمد بن سلمان لاحتلال موقع متقدم في الخريطة الإقليمية، ومكانة ملحوظة على الصعيد الدولي. وقد أعلنت الرياض- 25/4/2016، عن خطة تنموية طموحة بعنوان «رؤية 2030»، وجوهرها تنويع مصادر الناتج الاقتصادي المحلي، والاستعداد لمرحلة «ما بعد النفط». وخلصت القيادة السعودية «الجديدة»، إلى أن سياسة الانفتاح على المحيطين الإقليمي والدولي، «ضرورة لازمة» من أجل خلق بيئة سياسية - إقتصادية، تمكنها من تحقيق طموحاتها، وأن تطبيق هذه السياسة يفترض امتلاك الرياض هامشاً واسعاً من حرية الحركة، بما يعني تجاوز نهج تطابق مواقفها السابقة مع مواقف العديد من الدول الغربية وفي المقدمة، الولايات المتحدة.

ومع أن النهج الجديد فتح الباب واسعاً أمام نمو علاقات المملكة مع كل من روسيا والصين وغيرهما، وأدى في السياق إلى اتخاذ الرياض مواقف مخالفة لمصالح واشنطن في العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية («الأوبك» مثلاً)، إلا أن تحليلات معظم المراقبين تشير إلى أن القيادة السعودية الجديدة، ممثلة بولي العهد، تتبنى سياسة «براغماتية»، توظفها في اتجاهين متكاملين: 1- الاستفادة من ثمار الشراكات الاقتصادية مع مختلف الأطراف ذات الاقتصادات المتقدمة؛ 2- توظيف اتساع علاقاتها مع خصوم واشنطن لتعزيز موقعها في المحادثات مع إدارة بايدن، ودفعها إلى تلبية مطالبها مقابل التطبيع مع إسرائيل. 

■ تختلف تداعيات التطبيع السعودي مع إسرائيل جوهرياً، عما أدت إليه «إتفاقات أبراهام»، الموقعة ما بين دولة الاحتلال والإستعمار الاستيطاني وكل من البحرين والإمارات والمغرب والسودان؛ فالمملكة دولة إقليمية وازنة في الجغرافيا السياسية والاقتصاد، وذات تأثير سياسي ومالي ومعنوي كبير في محيطيها العربي والإسلامي. ومع أن واشنطن وتل أبيب بالغتا في الإشادة والتهليل عند كل خطوة تطبيعية مع الدول العربية سابقة الذكر، إلا أنهما تدركان أن المملكة هي «الصيد الثمين»، الذي إذا تم إحكام شباك التطبيع حوله، ستتعزز نوعياً حوامل تطبيق مشروع «السلام الإقليمي» في المنطقة العربية. وهذا يعني - إستتباعاً - أن الجانب الرسمي الفلسطيني، الذي سبق أن أقصته «صفقة القرن» كطرف مشارك في إقرار التسوية السياسية بخصوص الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي،  ستنحدر مكانته أكثر، ويصبح في ظل التطبيع السعودي - الإسرائيلي مجرد «صندوق بريد» طافح بإشعارات تنفيذ ما خلصت إليه تفاهمات الأطراف الأخرى، بشأن قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية■

(1)

التطبيع في ميزان المصالح السعودية

[■ مع تفكك إطار «العمل العربي المشترك»، ونجاح إدارة ترامب في فرض مسار التطبيع العربي الإفرادي المتعاقب مع إسرائيل، خرج تطبيق «مبادرة السلام العربية» عن المعادلة التي أقرتها قمة بيروت. واستبدل شقها الأول (الانسحاب الإسرائيلي، الدولة الفلسطينية، حل قضية اللاجئين) بالحديث عن «تنازلات إسرائيلية» تشكل، بحسب فلسفة المطبعين، خطوة تمهد الطريق نحو إنضاج الظروف للانتقال إلى «حل الدولتين»، في حين وضعت الدول المطبعة مطالبها الأمنية والاقتصادية الخاصة شرطاً لازماً لإنجاز التطبيع. ومن الواضح، أن السعودية تسير أيضاً نحو التطبيع مع إسرائيل وفق هذه الفلسفة، وقد وضعت تأمين رزمة من احتياجاتها الأمنية والاقتصادية في مقدمة شروطها للسير قدماً نحو التطبيع مع إسرائيل:]

 (1/1) الاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة

■ اللافت في العقود الأخيرة، أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد في استراتيجيتها العامة - بما فيه أبعادها الأمنية - على مبدأ «توازن القوى» عبر الاعتماد على المؤسسات الدولية أو علاقات التكامل الاقتصادي - كما تقتضي المدرسة الليبرالية – بل استعادت في سياستها الخارجية والأمنية لأصول «السياسة الواقعية»(Realpolitik) العائدة إلى القرن التاسع عشر والقائمة على مفهوم «توازن القوى» بالمعنى العاري والمباشر للمصطلح. وفي هذا الإطار باتت واشنطن تسعى إلى تقلد منصب المهيمن في السياسة الدولية دون منازع، من خلال السعي لتغيير نمط التوازنات العالمية، والقيام بدور الموازن الرئيسي في كل منطقة مهمة وحيوية، والاستعانة على ذلك بتشكيل حزام من التحالفات الأمنية تحت قيادتها، بهدف احتواء القوى المنافسة في النظام الدولي. إلا أن النتائج جاءت خلافا لتوقعات واشنطن؛ ففي لعبها لدور الموازن الرئيسي وتحملها نفقات والتزامات أمنية وعسكرية، لم يعد الاقتصاد الأميركي يقوى على دفعها، تراجعت مكانتها ولم تعد قادرة على الوفاء بجميع التزاماتها تجاه حلفائها، ما أدى بها لاتباع استراتيجية إحداث التوازن من الخارج [أمينة حلال/ «الاستراتيجية الأمنية الأميركية: المفهوم والتيارات الفكرية»/ المعهد المصري للدراسات - 16/9/2022].

■ ترتبط الولايات المتحدة مع الكثير من الدول باتفاقات تعاون أمني، يأتي معظمها في سياق توقيع شراكات أوسع: إقتصادية وسياسية ضمن إطار بروتوكولي بهدف تعزيز العلاقة بين الطرفين، بما ينسجم مع مكانة الطرف الآخر وموقعه في تنفيذ الاستراتيجية الأميركية في مناطق مختلفة من العالم. لكن الاتفاق الأمني الأكثر صرامة من ناحية إلتزام أطرافه بالدفاع عن بعضهم البعض، وتحتل فيه الولايات المتحدة موقعاً قيادياً هو«معاهدة حلف شمال الأطلسي» (الناتو) الموقعة في واشنطن- 4/4/1949، التي ينص بندها الخامس على «اتفاق أطراف المعاهدة على اعتبار الهجوم المسلح ضد طرف أو أكثر (منهم) بمثابة هجوم ضدهم جميعاً»، ويوجب بالتالي مساعدة الطرف الذي تعرض للهجوم عبر إجراءات فورية «بما في ذلك استخدام القوة المسلحة»، ويعتبر نص البند المذكور أن إجراءات الرد الفردي أو الجماعي على الهجوم المسلح، إنما تأتي في سياق «الدفاع عن النفس المعترف به بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة» [الموقع الرسمي لحلف شمال الأطلسي، بالإنكليزية]. وكانت الولايات المتحدة أبرمت معاهدة أمنية مع اليابان- 1951، جرى تعديلها جوهرياً- 1960، بإضافة إلتزام أميركي قوي في حالة وقوع أي هجوم ضد الأراضي الخاضعة لليابان وفقًا لأحكامها وقوانينها الدستورية، كما وقعت معاهدة أمنية مماثلة مع كوريا الجنوبية - 1953.

■ حملت «صفقة القرن» في مضمونها وآليات تطبيقها مساراً «جديداً» في تنفيذ الاستراتيجية الأميركية وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب- 5/2018، إنسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع مع إيران قبل 3 سنوات - 2015 ، وأعاد العمل بالعقوبات الأميركية على طهران. وكان هذا القرار مريحاً لكل من السعودية والإمارات اللتين انفردتا مع إسرائيل في رفض الاتفاق عند توقيعه. وفي معرض طرح عناوين الصفقة في مسارها الإقليمي، وضعت إدارة ترامب دول الإقليم وخصوصاً في منطقة الخليج، أمام معادلة تقايض فيها حماية استقرارها السياسي والأمني وازدهارها الاقتصادي بـ«تطبيع علاقاتها مع إسرائيل وانخراطها في حلف سياسي - أمني بقيادة الولايات المتحدة في مواجهة إيران (حاليا) أو سواها (لاحقاً) بما يتفق مع أولويات واشنطن وتل أبيب، وحسب ما تمليه المصلحة الأميركية - الإسرائيلية المشتركة». ووفق هذه المعادلة، وقعت كل من الإمارات والبحرين «إتفاق أبراهام» مع إسرائيل، ثم التحقت بهما المغرب والسودان [ ص7 من كتاب «في مواجهة صفقة القرن»، الكتاب الرقم 35 من سلسلة «على طريق الاستقلال»، إصدار المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات (ملف)/، ط1: 9/2019].

■ لكن الهواجس الأمنية لمعظم دول مجلس التعاون الخليجي تصاعدت مع مجيء إدارة بايدن وإعلانها إعادة التفاوض حول الملف النووي الإيراني، وتلويحها بـ«سحب منظومات دفاعية أميركية من الخليج ونقلها إلى جنوب شرق آسيا». وفي مسعى لتهدئة هذه الهواجس، وقعت إدارة بايدن مع دول المجلس إتفاقات وتفاهمات أمنية ثنائية. لكن جميع هذه الاتفاقات لا تتضمن تعهدات تلزم واشنطن بالرد الفوري على أي هجوم مسلح تتعرض له هذه الدول:

• فـ«التعاون الدفاعي والأمني» الموقع بين الولايات المتحدة والبحرين - 13/9/2023، جاء كفقرة في «إتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل»، ونصت على أن «أي اعتداء خارجي أو تهديد باعتداء خارجي ضد سيادة أي من الأطراف واستقلاله وسلامة أراضيه مدعاة قلق بالغ بالنسبة إلى الأطراف الأخرى». لكن الاتفاقية تترك مستوى ونوع التحرك لمواجهة هذا الاعتداء إلى «قرار مشترك تتخذه أطراف الاتفاق»،و«وفقاً لدساتيرها وقوانينها» [موقع وزارة الخارجية الأميركية، بالعربية - 13/9/2023]. وهذا يعني أن مستوى تحرك الجانب الأميركي يحتاج إلى إجراءات دستورية وقانونية من بينها قرار بذلك من الكونغرس.

• وتم توقيع إتفاقية «الشراكة الدفاعية والأمنية» مع سلطنة عُمان - 2022، لكنها تقتصر بالأساس على «التدريب المشترك، والعمل معاً لتوسيع التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات، وتعزيز العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة وسلطنة عمان»، وتعود إتفاقية الشراكة العسكرية بين واشنطن ومسقط إلى 1980، وكان نشاطها الأساسي تأمين صفقات الأسلحة الأميركية إلى دولة عُمان، [«الخليج أون لاين»- 26/3/2022].

• وصنفت إدارة بايدن، دولة قطر«حليفًا رئيسياً من خارج الناتو»، - 2022. وبهذا، تكون قطر ثالث دولة خليجية تحظى بهذا الصفة، بعد الكويت والبحرين، والدولة التاسعة عشرة عالمياً. لكن هذا التصنيف لا يعني - بنظر المحللين - أن واشنطن ملزمة بالدفاع عن الدول المدرجة فيه، لكنه يمنح الطرف المعنيّ بالتصنيف إمتيازات محدّدة في مجالات التعاون الدفاعي والأمني والتجاري [«العلاقات الأميركية– القطرية: من شراكة استراتيجية إلى تحالف.. تقدير موقف»/ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - 3/2/2022].

• واللافت أن دولة الإمارات، باتت تطالب واشنطن مؤخراً - 9/2023، بعقد «تحالف دفاعي»، على الرغم من توقيعها إتفاقاً أمنياً معها - 2019، في ظل ولاية إدارة  ترامب. لكن تعرض عاصمتها للقصف - 2022، واقتصار الرد على مصدر الهجوم على دور قواتها المسلحة، دفعها كي تطلب من واشنطن إتفاقاً جديداً أكثر فعالية، بديلاً عن الاتفاق السابق، الذي تبين لها أنه مجرد «تفاهم أمني» فقد مفعوله مع تغير الإدارة السياسية في الولايات المتحدة [صحيفة «العرب»- 22/9/2023].

■ شددت السعودية في محادثاتها مع إدارة بايدن، بشأن التطبيع،  على تمسكها بالتوصل إلى اتفاق أمني ثنائي يلزم الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات فورية في مواجهة أي هجوم مسلح تتعرض له المملكة، خاصة وأن منشآتها النفطية تعرضت لهجوم عسكري مباشر أربكها - 2019، وهو ما عبر عنه ولي العهد محمد بن سلمان خلال زيارة الرئيس الأميركي إلى الرياض - 7/2022. ولفت انتباه المراقبين أن السعودية، ومن أجل إقناع إدارة ترامب بعقد تحالف دفاعي قوي معها، أبدت استعدادها لتقديم تنازلات في ملف «البرنامج النووي المدني»، من بينها قبول التوقيع على المادة 123 من «قانون الطاقة الذرية» الأميركي، التي تؤسس لإطار عمل للتعاون النووي السلمي مع الولايات المتحدة، وهي خطوة رفضتها الرياض من قبل [وكالة «رويترز» - 29/9/2023].

■ وفيما كانت معايير الاتفاق الدفاعي المرتقب قيد البحث على طاولة المسؤولين الأميركيين، أشارت مصادر متابعة إلى أن الاتفاق المزمع «لن يكون تحالفاً بمستوى المعاهدة بل تفاهم دفاعي متبادل»، وأن إدارة بايدن يمكن أن تعمل على تصنيف السعودية كحليف للولايات المتحدة من خارج «الناتو». وذكرت المصادر أن المملكة، التي تدرك أنها لن تحصل على اتفاق يتضمن ضمانات بمستوى البند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي، تشدد على أن ينص اتفاقها الأمني مع إدارة ترامب على التزام الولايات المتحدة بحمايتها، وهي تنظر لهذا الأمر ليس فقط من زاوية نجدتها عند التعرض لهجوم، بل باعتبار النص على ذلك يشكل أولاً عامل ردع لمن يعتزم مهاجمتها، ويعزز موقعها في الإقليم ثانياً.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، قالت - 17/9/2023، نقلاً عن مسؤولين في إدارة بايدن، إن الجانبين السعودي والأميركي «يدرسان إمكانية التوقيع على اتفاق دفاعي أمني على غرار النموذج الآسيوي (اليابان وكوريا)، الذي تدافع فيه الولايات المتحدة عن الدول الحليفة، في حال تعرضت لهجوم من دولة أخرى» [i24NEWS - 3/10/2023]. وفي حال كان هذا الحديث صحيحاً، وصادق الكونغرس على هذا الاتفاق، تكون السعودية قد حصلت على الاتفاق الأمني الأقوى مع واشنطن في منطقة الخليج■

(1/2) البرنامج النووي المدني

 ■ تعوِّل الرياض أهمية كبيرة على امتلاك برنامج نووي مدني، وتعتبره رافعة كبرى في تحقيق «رؤية 2030». وكانت المساعدة الأميركية في هذا المجال أحد الشروط السعودية التي وضعتها للمضي نحو التطبيع. ولذلك، شدد المسؤولون السعوديون في محادثاتهم مع واشنطن على أنه من المفترض أن يُبرم الاتفاق بينهما حول البرنامج النووي إلى جانب الاتفاق الأمني قبل التطبيع، وليس العكس. وفي محاولة لكسر تردد إدارة بايدن في دعم هذا البرنامج، صرح مسؤولون سعوديون لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، أن الرياض تلقت عرضاً صينياً لبناء محطة طاقة نووية في الرياض، مشيرين إلى أن الصين لم تشترط عليهم عدم تخصيب اليورانيوم أو استخراج رواسبه كما فعلت الإدارة الأميركية. كما أعطى هؤلاء المسؤولون في تصريحاتهم، الأفضلية للتعامل مع الصين، التي عرضت بناء محطة نووية للخليج بالقرب من الإمارات. كما أشاروا إلى عرض آخر تلقوه من الشركة الكورية «كيبكو» للطاقة الكهربائية، لبناء مفاعلات المحطة النووية [«اليوم السابع»- 26/8/2023].

■ وكانت الصين أعلنت فعلاً أنها ستدعم الرياض في مجال الطاقة النووية المدنية مع التزامها قواعد عدم الانتشار [قناة «الحرة» - 25/8/2023]، وعبرت عن رغبتها في أن تمتد العقود لمدة 100 عام، بحسب الرئيس السابق للمؤسسة النووية الصينية «صن تشين»، الأمر الذي يشكل منعطفاً جيوسياسياً سعودياً في حال قبول هذا العرض. ويذكر- في السياق - أن العرض الصيني أقل كلفة بنسبة 20%، مقارنة بعروض شركتي «كيبكو» الكورية و«إي دي أف» الفرنسية. كما أجرت السعودية حواراً مع روسيا وفرنسا بشأن برنامجها النووي، لكن المسؤولين السعوديين شككوا بقدرة فرنسا على التزام وعودها، وتحسبوا في الوقت ذاته من عقوبات أميركية إذا دخلت روسيا فعلياً على خط البرنامج النووي.

لكن من الواضح أن قرار الرياض النهائي تجاه العروض متعددة الجهات، بشأن برنامجها النووي، محكوم بالاستراتيجية الأميركية تجاه هذا الملف، والتي تنطلق من أن واشنطن هي صاحبة الحق والقدرة على تسهيل امتلاك أي دولة للبرنامج النووي المدني أو منعه، إضافة إلى أن السعودية تدرك أن الولايات المتحدة هي الطرف الدولي الوحيد الذي يستطيع «إقناع» إسرائيل بتقبل امتلاك الرياض للبرنامج النووي، في حال قررت هي دعمه، وكذلك الأمر بخصوص الاتفاق الأمني الذي تنشده.

■ تضع إسرائيل منذ عقود خطاً أحمر على امتلاك أي دولة في الشرق الأوسط برنامجاً نووياً، حفاظاً على معادلة الردع الإسرائيلي في المنطقة. لذلك تفاجأ المراقبون من قول ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية في الحكومة الإسرائيلية، إن إسرائيل «لن تعارض مساعي السعودية لتطوير برنامجها النووي المدني مقابل تطبيع العلاقات مع تل أبيب، ضمن صفقة أمنية توقعها السعودية مع الولايات المتحدة الأميركية»، وذلك في حديث مع شبكة «CBS» الأميركية [ موقع «عرب 48»- 20/8/2023]. لكن مكتب نتنياهو سرعان ماأصدر بياناً يؤكد فيه على السياسة الإسرائيلية ،التي تعارض البرنامج النووي المدني للسعودية، توازياً مع معارضة المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، التي تخشى من تحوله إلى برنامج عسكري، خصوصاً بعد أن توجهت الرياض إلى بكين وأبرمت تحت رعايتها إتفاقاً مع إيران ينقل علاقات البلدين من الصراع إلى الحوار والتعاون، مع أن السعودية وقعت إتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية.

■ لقد تبين خلال المحادثات الأميركية - السعودية في هذا الشأن، أن العقدة التي ينبغي حلها في هذا الملف تتعلق بالجهة التي ستتولى تخصيب اليورانيوم اللازم لتفعيل البرنامج النووي السعودي، حيث تتشدد واشنطن في حظر أنشطة تخصيب اليوارنيوم حتى مع حلفائها، وقد نصت على ذلك في الاتفاقية التي وقعتها مع الإمارات - 2009، التي تمتلك محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية.

ويشير مراقبون إلى أنه من الممكن أن توافق إسرائيل والولايات المتحدة مبدئياً - رغم كل المعارضة الداخلية الإسرائيلية والأميركية، على حصول السعودية على اليورانيوم المخصب للاستخدامات المدنية شرط عدم تخصيبه على أراضيها، ودون الحصول على التكنولوجيا اللازمة لذلك. وهذا يشبه ما تم التوصل إليه بين إيران وفرنسا في عهد الشاه؛ أو قيامها بشراء اليورانيوم المخصب من وكالة الطاقة الدولية، كما تفعل إسبانيا وفنلندا؛ أو اللجوء إلى «بنك الوقود» في كازاخستان، الذي ينشط تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويذكر في هذا السياق أن نتنياهو مارس ضغوطاً كبيرة على هيئة وكالة الطاقة الذرية في إسرائيل للقيام بتخصيب اليورانيوم لصالح البرنامج النووي السعودي، لكنه فشل في إقناعها■

 (1/3) «الممر الاقتصادي الدولي» ..

شراكة «مطعمة» بالتطبيع

■ وقعت السعودية مذكرة تفاهم مع كل من الولايات المتحدة الأميركية، الإمارات، الهند، وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، على هامش اجتماع «قمة العشرين» المنعقدة في نيودلهي - 9/2023، من أجل إنشاء ممر اقتصادي دولي يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، يتضمن بناء خطوط سكك حديدية وأنابيب لنقل الطاقة. ويمتد الممر عبر بحر العرب من الهند إلى الإمارات، ثم يعبر السعودية والأردن وإسرائيل، وصولاً إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. ويشكل هذا المشروع عنواناً مهماً من عناوين الشراكات الاقتصادية التي تطمح السعودية إلى تعميقها وتوسيعها على الصعيدين الإقليمي والدولي. وعلى اعتبار أن إسرائيل طرف مؤسس في هذا المشروع، فإن المشاركة السعودية فيه مؤشر على اندفاعها نحو خيار التطبيع حتى قبل انتهاء المباحثات مع واشنطن في هذا الخصوص.

■ جاء توقيع المذكرة بعد محادثات أجرتها السعودية مع مجموعة «2U+2I» (تلفظ أي تو، يو تو)، التي تضم: إسرائيل، الهند، الامارات، والولايات المتحدة. وتركز هذه المجموعة نشاطها على الاستثمارات المشتركة والمبادرات التي من شأنها تطوير الخطط في مجالات المياه، الطاقة، النقل، الصحة، والأمن الغذائي، إضافة إلى المناخ، والأمن البحري والطاقة. وقد نشأت المجموعة «2U+2I» - 2021، بعد توقيع «إتفاق أبراهام»- 2020، وكانت الإمارات طرحت فكرة المشروع في محادثاتها مع إدارة بايدن- 5/2023 [سكاي نيوز عربية - 16/9/2023].

ويُنظر إلى مشروع الممر كبوابة لدمج إسرائيل في المنطقة العربية عبر تحويل «إتفاقات أبراهام» إلى مشاريع تمتلك آليات تطبيقها. ويأتي إشراك السعودية في هذا المشروع، بالتوازي مع المحادثات الجارية بين الرياض وواشنطن حول التطبيع مع إسرائيل. واللافت أن ولي العهد السعودي صرح بعد الاتفاق على مشروع الممر قائلاً «إن التطبيع السعودي – الإسرائيلي يقترب أكثر» [«عرب 48» - 20/9/2023].

■ تدعم واشنطن مشروع الممر في مواجهة مشروع «الحزام والطريق» الصيني المطروح منذ 2013، وينتاب الولايات المتحدة قلق عميق من توسع العلاقات الاقتصادية الصينية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وقد بلغ حجم استثمارات الصين معها نحو 100 مليار$ ، كاسرة بذلك الاحتكار الأميركي على امتداد عقود، مما أشعل توجس الإدارة الأميركية من أن تتوسع هذه  العلاقات لتشمل المجالات الأمنية والعسكرية.

تسعى واشنطن من وراء هذا المشروع إلى تعزيز موقع الهند الجيوسياسي في مواجهة بكين، وإجهاض سياسة انفتاح إيران على الهند، عبر محاولة تعطيل المشروع الهندي – الإيراني للاستثمار في ميناء تشابهار الإيراني على بحر العرب، وهو مشروع ينافس مشروع الممر الاقتصادي الدولي في سعيه لإنشاء ممر «جنوب – شمال»، بين الهند وأوروبا [«ميديل إيست نيوز»- 30/8/2023]. 

■ يُلاحظ أن إسرائيل تشكل في مشروع الممر الإقتصادي الدولي «عقدة الوصل» بين الدول الأسيوية التي يمر بها وبين أوروبا. وهذا يعطيها ميزة جيوسياسية بالغة الأهمية، ويمنحها في الوقت نفسه إمكانية الاستفادة القصوى من موقعها هذا لتأمين احتياجاتها من السلع والبضائع، كما يجعل المصالح التجارية للدول المستفيدة من هذا الممر، ومنها السعودية والإمارات، محكومة بمستوى توافقها مع السياسات الإسرائيلية، بما فيها، ما يخص القضية الفلسطينية. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن استثناء مناطق السلطة الفلسطينية من مسار هذا الممر كان مقصوداً بهدف إبقاء النشاط الاقتصادي التبادلي الفلسطيني مرهوناً بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي، كما حدده الجانب الاقتصادي من اتفاق أوسلو، أي «بروتوكول باريس الإقتصادي».

■ يؤثر إنجاز مشروع الممر آنف الذكر سلباً على مصالح دول عربية عدة أبرزها مصر التي تشكل مداخيلها المالية من قناة السويس جزءاً مهماً من واردات خزينتها، وستتعرض بالتأكيد هذه الإيرادات للتراجع بعد اكتمال مشروع الممر، في الوقت الذي طالما مثلت فيه هذه القناة الشريان الأساسي للتجارة الآسيوية – الأوروبية [ممدوح الشيخ/ «قمة العشرين وما بعد قناة السويس»/ «العربي الجديد»- 11/9/2023].

كما يحد إنجاز هذا المشروع من رهانات العراق على مشروع «طريق التنمية»، الذي يفترض أن يصله بأوروبا عبر تركيا إنطلاقاً من شطّ العرب في جنوب العراق، ويمكن أن يستخدم أيضاً لنقل إمدادات الطاقة من المنطقة إلى أوروبا. ومن الطبيعي، مع إنجار مشروع ممر الهند - أوروبا، ألا يجد العراق شركاء خليجيين في استثمار مشروعه بالمستوى الذي طمح إليه [«مشروع طريق التنمية بالأرقام»/ قناة «الحرة» 28/5/2023]■

(2)

في مجرى الأحداث

[■ أخذت خطوات التطبيع السعودي - الإسرائيلي مساراً متدرجاً ومتعرجاً في مجرى الأحداث التي وقعت منذ أواخر 2020، العام الذي تم فيه توقيع «إتفاقات أبراهام»، وشهد أيضاً في أواخره تطوران مهمان ومتلاحقان: 1- الأسابيع الأخيرة من إنتهاء إدارة ترامب؛ 2- سقوط حكومة نتنياهو؛ فتسارع مسار التطبيع بهدف تدارك تداعيات الحدث الأول، وتباطأت خطواته العملية عقب الحدث الثاني. ثم بهت المسار إلى حد ما مع توقيع الاتفاق السعودي - الإيراني، في ظل توتر العلاقات السعودية مع إدارة بايدن، وانشغال الأخيرة بالتحشيد ضد روسيا إثر اندلاع الحرب في أوكرانيا. ولم يستعِد هذا المسار زخمه إلا بعد عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، واستنفار الإدارة الأميركية لمحاصرة المد الصيني في الخليج، والعودة إلى استثمار ملف التطبيع داخلياً، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. وفي ظل هذا الاستنفار، تكثفت المباحثات السعودية  - الأميركية بشأن التطبيع مع إسرائيل:]

 (2/1) «لقاء نيوم».. خطوة  في «الوقت الضائع»

■ حلقت طائرة إسرائيلية في الأجواء السعودية، وعلى متنها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي التقى في مدينة نيوم الساحلية، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بمشاركة الجنرال آڤي بالوت، السكرتير العسكري لنتنياهو، ورعاية وحضور وزير الخارجية الأميركية بومبيو- 11/2020. ويقول مراقبون إن نتنياهو تجنب التصريح بنفسه عن وقوع اللقاء، لكنه شجع على تسريب الخبر عن طريق وزراء في حكومته، في حين نفى وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان وقوع اللقاء، فيما لجأ بومبيو إلى المراوغة عند إجابته على أسئلة الصحفيين بخصوص حدوث اللقاء.

■ ويرى المراقبون في تشجيع نتنياهو على تسريب الخبر إستثماراً انتخابياً لما يعتبره تحقيق اختراق جدي في مسار التطبيع مع السعودية، في وقت كانت فيه معظم المؤشرات في إسرائيل ترجح الذهاب إلى انتخابات مبكرة هي الرابعة خلال 23 شهراً . كما نوه المراقبون إلى أن النفي السعودي لوقوع اللقاء على لسان وزير الخارجية، دون تعليق من الديوان الملكي ربما يشير إلى رغبة ولي العهد محمد بن سلمان برصد ردّات الفعل تحضيراً للرأي العام السعودي والعربي في حال قامت السعودية بخطوات عملية وعلنية لاحقة على صعيد العلاقة مع إسرائيل. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت - 18/9/2020، أي قبل وقوع اللقاء بأكثر من شهر، عن مستشارين لابن سلمان قولهم إنه «يأمل بمشاركة شركات تكنولوجية إسرائيلية بتطوير وبناء مدينة «نيوم» (المستقبل) التي رصد لها 500 مليار دولار» [إبراهيم درويش/ «هل عاد وهم الشرق الأوسط الجديد ووعود الازدهار والتعاون بثمن دفن القضية الفلسطينية؟»/ «القدس العربي»- 20/9/2020].

■ جاء لقاء نتنياهو وبن سلمان، بعد التأكد من رحيل دونالد ترامب وفوز جو بايدن في انتخابات الرئاسة الأميركية، الأمر الذي أشعل مخاوف الرياض وتل أبيب من انحسار الضغط الأميركي على طهران، وعودة الملف النووي الإيراني إلى مائدة التفاوض، في الوقت الذي أرادت فيه إدارة ترامب، أن يخرج هذا اللقاء بخطوات تعرقل أي تغيير تجريه إدارة بايدن على السياسات التي سلكتها الإدارة الراحلة تجاه المنطقة.

من هذه الزاوية، بحث المجتمعون في بلورة موقف سعودي - إسرائيلي مشترك في مواجهة  إيران، بما في ذلك إمكانية التوجه نحو تشكيل تحالف أمني وعسكري ضدها يضع الإدارة الأميركية الجديدة أمام مستجدات تفرض عليها تدقيق حساباتها عند ترجمة تعهدات بايدن بالعودة إلى التفاوض بشأن الملف النووي الإيراني، وخاصة أن إسرائيل طرفاً مؤسساً في هذا التحالف، وهو ما يعزز الموقف السعودي أمام الإدارة الأميركية الجديدة.

ويلاحظ المراقبون أن الرياض لم تذهب أبعد من ذلك، واكتفت بحدوث اللقاء كرسالة إلى الإدارة القادمة، وفق تقدير سعودي أن التوسع في اللقاءات مع تل أبيب سيكون مجانياً، إذا لم يكن برعاية الإدارة الأميركية الجديدة التي ستكون معنية بتأمين مطالب المملكة مقابل التطبيع. لكن يمكن القول إن الموقف المشترك من الملف الإيراني، في فترة انتقال الحكم في أميركا عبر «لقاء نيوم»، كان مفتاح البداية شبه العلنية لـ«التطبيع المتدرج» بين إسرائيل والسعودية■

(2/2) توتر العلاقات السعودية - الأميركية

■ بعد تولي جو بايدن الحكم في الولايات المتحدة الأميركية خلفا للرئيس الأميركي دونالد ترامب - 20/1/2021، ساد التوتر العلاقات الأميركية - السعودية، على خلفية ما سبق أن أعلنه بايدن في مناظراته الانتخابية عن تحميل ولي العهد محمد بن سلمان مسؤولية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وتوعد حينها بجعل المملكة العربية السعودية «دولة منبوذة» على الساحة الدولية.

لكن الاحتكاك الأبرز الذي أجج التوتر بين الطرفين حصل بعد زيارة بايدن للسعودية- 7/2022، وهي الأولى له منذ تقلد الحكم، وفشل خلالها في إقناع الرياض بزيادة إنتاجها من النفط، وقد اتخذت «أوبك بلاس» (Opec +)، التي تقودها السعودية إلى جانب أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبيك)، قراراً بخفض حصصها من الإنتاج - 10/2022، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة الأميركية بحاجة ماسة إلى النفط السعودي، في ظل أزمة الطاقة  إثر العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا- 2/2022. وقد أثار هذا القرار غضب بايدن فقال إنه ستكون لهذا التخفيض «عواقب بالنسبة للسعودية»، وزاد على ذلك المتحدث باسم الأمن القومي بالبيت الأبيض، جون كيربي، بالقول «إن الولايات المتحدة تدرس إعادة التفكير في العلاقات الأميركية السعودية»، [ريتشارد هال/ «المواجهة بين بايدن والمملكة، هل تعني نهاية العلاقات الأميركية السعودية؟»/ «إندبندنت» الإلكترونية- 14/10/2022].

الجدير بالذكر أن خفض إنتاج النفط، يرفع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، وهذا يضر بشعبية الحزب الديمقراطي الحاكم، عشية إنتخابات التجديد النصفي- 11/2022. وقد اجتمع غضب إدارة بايدن من الموقف السعودي تجاه تخفيض انتاج النفط مع حنقها من المواقف الغائمة لعدد من الدول (من بينها السعودية) تجاه الحرب في أوكرانيا وعدم اصطفافها ضد روسيا.

■ يذكر في السياق أن إسرائيل سعت إلى إزالة التوتر بين واشنطن والرياض، لأهداف كشفت عنها ورقة تقدير موقف أعدها مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وأشار فيها إلى «أن ترميم العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة هو مصلحة إسرائيلية، وسوف يُساهم في تعزيز التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، بما فيها السعودية نفسها، كما أن هنالك مصلحة إسرائيلية في استقرار المملكة العربية السعودية، والحفاظ على دورها المركزي في التحالف الإقليمي ضد إيران» [مهند مصطفى/ «تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل: الدوافع والعوائق»/ «مدار»- 18/6/2023].

■ تمتد العلاقات الاستراتيجية السعودية - الأميركية لأكثر من 85 عاماً، والملفت استقرارها في فترات ولاية الإدارات الجمهورية، فقد عملت إدارة بوش الابن على ألا تمس تداعيات تفجيرات واشنطن ونيويورك - 9/2001، مباشرة بهذه العلاقات، التي سادها لاحقاً جو من البرود والتوتر في عهد ولايتي أوباما..  2009-2017، بسبب توقيع الاتفاق النووي مع إيران، والانسحاب الأميركي التدريجي من المنطقة، إضافة إلى انتقاد إدارة أوباما الشديد لعدد من العواصم العربية، ومنها الرياض، في ملفي حقوق الإنسان والفساد. لكن هذه العلاقات عادت إلى مسارها الطبيعي في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب.. 2017-2021، التي انسحبت من الاتفاق النووي مع إيران، ونشطت في مساعي إقامة «ناتو شرق أوسطي» ضدها. كما أن إدارة ترامب لعبت دوراً في تعطيل التحقيق الذي طالب به الكونغرس في قضية مقتل الصحفي السعودي خاشقجي■

 (2/3) الاتفاق السعودي - الإيراني

■ وقعت السعودية وإيران، برعاية صينية، إتفاقاً- 4/2023، يعيد علاقاتهما الديبلوماسية، ويمهد لحوار ثنائي يساهم في التوصل لحلول سياسية توافقية للصراعات التي نشبت خلال العقد الماضي في الإقليم. ويتعاكس التوقيع السعودي على هذا الاتفاق مع الموقف الذي أبدته الرياض في «لقاء نيوم» لجهة المواجهة المشتركة مع إسرائيل ضد طهران، لكنه - في الوقت نفسه - موقف ينسجم مع قراءة ولي العهد السعودي بن سلمان لاستحقاقات تطبيق «رؤية 2030»، ومن بينها توجيه إمكانات المملكة المتاحة لصالح إنجاحها، بعد سنوات من المواجهات العسكرية المكلفة في اليمن ومن غير مردود ميداني أو سياسي، وإنفاق مليارات الدولارات في صفقات أسلحة لم تمنع استهداف منشآتها النفطية - 9/2019.

■ وقد خلص كثير من المحللين إلى أنّ المملكة تحت قيادة ولي العهد تعرضت للكثير من النكسات في اليمن ولبنان وسوريا ودول أخرى. لذلك، تجد السعودية أن من مصلحتها إخماد الصراعات التي زجت نفسها بها في الإقليم، فسعت للتوصل مع الأطراف المعنية إلى حلول سياسة لهذه الصراعات. وفي سياق هذه الرؤية، أكدت المملكة على ضرورة الحل السياسي في سورية، وشجعت على عودتها إلى مقعدها في الجامعة العربية، وحضور الرئيس السوري مؤتمر القمة في جدة- 5/2023. وفي كلٍ من الملفين، السوري واليمني، يلعب الاتفاق مع إيران دوراً حيوياً لتحقيق هذا الهدف.

■ صُدمت إدارة بايدن جراء توقيع الاتفاق السعودي - الإيراني، خاصة أنه جاء بتشجيع من الصين ورعايتها، فعملت على محاصرة نتائج الاتفاق عبر تشديد الضغوط على الرياض. وفي إسرائيل، هاجمت المعارضة سياسة نتنياهو ووصفها بالفشل، مشيرة إلى أن السعودية  كانت قريبة من الدخول في مسار تطبيع مع إسرائيل يجري توظيفه ضد إيران، لولا إهماله وانشغاله بالصراعات الحزبية من أجل العودة إلى مقعد رئاسة الحكومة■

(2/4) في ظل تبدلات المشهد الإسرائيلي

■ تزامن إعلان عناوين «صفقة القرن» ومن ثم إعلانها رسمياً- 28/1/2020، مع مرحلة عدم استقرار في المشهد السياسي - الحزبي الإسرائيلي. فقد سقطت حكومة نتنياهو الرابعة- 26/12/2018، وجرت خلال عامي 2019 و 2020، 3 جولات انتخابية برلمانية [الكنيست 21- 9/4/2019؛ الكنيست 22- 17/9/2019؛ الكنيست 23- 2/3/2020]، حتى تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة مع غانتس- 17/5/2020. وخلال ولاية هذه الحكومة تم توقيع «إتفاقات أبراهام» مع كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان برعاية إدارة ترامب. وقد تعامل نتنياهو مع توقيع هذه الاتفاقات، بالإضافة إلى «لقاء نيوم» مع ولي العهد السعودي، باعتبارها إنجازاً سياسياً شخصياً سيعطيه زخماً قوياً يساعده ضد خصومة في معركة البقاء التي يخوضها للاستمرار في منصب رئيس الوزراء. لكن حكومته مع غانتس انهارت- 22/12/2020، بعد نحو شهر من انعقاد اللقاء مع بن سلمان، على وقع تفاقم الخلاف بين طرفيها.

■ خلال مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، عقب انتخابات الكنيست 24- 23/3/2021، إندلعت «معركة القدس»- 13/4 إلى 21/5/2021، بفصلها الختامي «سيف القدس»- 10 إلى 21/5/2021،  التي ساهمت نتائجها الميدانية والسياسية في فشل نتنياهو بتشكيل الحكومة، في حين نجحت بذلك المعارضة - 6/2021، وتولى حينها رئيس حزب «يمينا»، نفتالي بينيت، رئاسة الحكومة، ثم أعقبه في الفترة الانتقالية بعد سقوطها يائير لابيد رئيس حزب «يوجد مستقبل». وعلى الرغم من أن السجالات الناشبة بين «معسكر نتنياهو»، وأحزاب المعارضة، على خلفية تداعيات «معركة القدس»، سادت المشهد الإسرائيلي في معترك الصراع على تشكيل الحكومة، إلا أن جميع الأطراف تقاسمت، في الوقت نفسه، خطاب تبني مسار «إتفاقات أبراهام»، والعمل على تعميمها، كعنوان أساسي في برامجها الانتخابية.

■ خلال ولاية حكومة بينيت/ لابيد- 6/2021 إلى 6/2022، عُقد «منتدى النقب»- 3/2022 السداسي (الولايات المتحدة + إسرائيل + الإمارات + المغرب + البحرين + مصر)،باعتباره «إطاراً نموذجياً» صالحاً لإعادة هيكلة الوضع في الشرق الأوسط وفق «إتفاقات أبراهام». وعشية زيارته إلى السعودية، وقَّع الرئيس الأميركي بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي المناوب يائير لابيد على «إعلان القدس المشترك للشراكة الاستراتيجية» - 14/7/2022. وأكد الإعلان توسيع الدعم الأمني والسياسي الأميركي لإسرائيل، وأشار، في سياق الترحيب بمسار «منتدى النقب»، أن بايدن سيركز خلال زيارته إلى الرياض على ضرورة «بناء هيكل إقليمي قوي، لتعميق العلاقات بين إسرائيل وجميع شركائها الإقليميين وتقدم الاندماج الإقليمي لإسرائيل، وتوسيع دائرة السلام لتشمل المزيد من الدول العربية والإسلامية» [ص26 من كتاب «في مواجهة الحسم» الرقم 43 من سلسلة «على طريق الاستقلال»، إصدار المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات(ملف)/ ط1: 2023]. 

■ غرقت حكومة بينيت - لابيد بخلافاتها بسبب مكوناتها المتناقضة، وسقطت بعد نحو عام من تشكيلها- 6/2022، ليعود نتنياهو مجدداً، وللمرة السادسة إلى رئاسة الحكومة- 12/2022، متحالفاً مع أحزاب الصهيونية الدينية العنصرية المتطرفة، عقب إنتخابات الكنيست 25- 1/11/2022. وتصدر جدول أعمال حكومة نتنياهو «الجديدة» ماسمي بـ «مشروع الحسم»، الذي يهدف إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل وحشر الفلسطينيين في جيوب سكانية، ويمثل هذا المشروع «نقلة خطيرة في السياسة التوسعية الإسرائيلية المعتادة، مثل الاستيطان، والتهويد..، باتجاه تنفيذ عملية الضم عبر إجراءات ميدانية وقانونية مهدَّفة». والجدير ذكره أن نتنياهو حسم، إسرائيلياً، مآل شعار «حل الدولتين» الغائم، الذي تغنى به البيان الصادر عن «منتدى النقب»، عندما قال لاحقاً في الاجتماع المغلق للجنة الأمن والخارجية في الكنيست- 20/6/2023:«يجب العمل على اجتثاث فكرة إقامة دولة فلسطينية، وقطع الطريق أمام تطلعات الفلسطينيين لإقامة دولة لهم» [ للمزيد، راجع فهد سليمان: «إنه الضم ياذكي»، ص 11 - 25، من كتاب «في مواجهة الحسم»/ مصدر سبق ذكره]■

(3)

«الملف الفلسطيني» في محادثات التطبيع ..

أخفض من سقف أوسلو

■ وضعت المحددات الإسرائيلية لسبل حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، الرياض في وضع معقد ما بين تصريحاتها الرسمية بالتمسك بـ«مبادرة السلام العربية»، وما بين اندفاعة ولي العهد بن سلمان نحو تحقيق شروط المملكة الخاصة مقابل التطبيع، في الوقت الذي تدرك فيه الرياض أن واشنطن وتل أبيب متوافقتان حول «الحل الاقتصادي» للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وحول تثبيت مفهوم «الكيانية الفلسطينية» عند حدود حكم ذاتي إداري محدود الصلاحيات، ودون أفق سيادي، وعدم المس بواقع الاستيطان.

■ وقد جاءت تركيبة حكومة نتنياهو الأخيرة، وبرنامجها القائم على «مشروع الحسم»، لتضع تساؤلات جدية حول مصير «مبادرة السلام العربية» في سياق المباحثات السعودية حول التطبيع ،الذي أعلن بن سلمان أنه بات قريباً. ويقرأ معظم المحللين «تفاؤل» ولي العهد السعودي هذا، على أن لديه مقاربة مختلفة للمبادرة عما كان عليه الأمر عند إطلاقها قبل 21 عاماً وفي ظروف دولية وإقليمية مغايرة للظروف القائمة. وتنطلق هذه المقاربة من التمسك بالمبادرة من حيث المبدأ، من موقع احتواء المواقف المعارضة للتطبيع داخل العائلة الحاكمة وفي أوساط سعودية مختلفة، ومن موقع طمأنة الجانب الفلسطيني. لكن من الناحية العملية، وفي سياق المباحثات مع الولايات المتحدة والاتصالات مع الحكومة الإسرائيلية، يجري التعامل مع المبادرة كـ«هدف مؤجل»، تشكل مجموعة «التنازلات» الإسرائيلية ،التي طرحت على إدارة بايدن لإقناع إسرائيل بالقيام بها، محطة على طريق تحقيق هذا الهدف. وهي الفلسفة التضليلية ذاتها التي يتبعها الرئيس الأميركي عند تكراره الحديث عن «حماية الطريق إلى حل الدولتين»، أي الحفاظ عليه كعنوان جاذب، وليس مشروعاً جدياً مطروحاً للتطبيق. ولعل السفير السعودي غير المقيم والمعين لدى السلطة الفلسطينية، نايف بن بندر السديري، كان واضحاً في هذا الاتجاه عندما صرَّح خلال زيارته إلى رام الله بأن« مبادرة السلام العربية هي نقطة الارتكاز لأي عملية سلام مستقبلية» [صحيفة «الشرق»- 27/9/2023]. أي أن المبادرة العربية، بما اشتملت عليه من أهداف وآليات ومرجعيات أممية، لن تكون بمنطوياتها، النص المحدد لهذه التسوية. 

■ لقد تعرضت «مبادرة السلام العربية»، التي باتت في الخطاب السعودي الجديد «نقطة إرتكاز» للتآكل بمشاركة من أصحابها، واتضح ذلك في البيان المشترك الصادر عن لقاء وزير خارجية الولايات المتحدة توني بلينكن مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي- 5/6/2023، بمشاركة الرياض، حيث جرى تضمين المبادرة، في معرض الحديث عن «حل الدولتين» القبول بـ«تبادلات متفق عليها» للأراضي على «طول حدود عام 1967»، بما يعني - على الأقل - ضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل [ص 23 من كتاب «في مواجهة الحسم» - مصدر سبق ذكرهُ].

 ■ شجعت السعودية القيادة الرسمية الفلسطينية على الدخول على خط المحادثات بشأن التطبيع، من زاوية التداول معها في «المطالب» المفترض تنفيذها كي يحظى مسار التطبيع بمباركة رسمية فلسطينية. وقد لاقى هذا التوجه قبولاً إسرائيلياً باعتباره مدخلاً للضغط السعودي على الجانب الرسمي الفلسطيني، الذي استشعر كغيره من الأطراف أن الرياض حسمت قرارها باتجاه التطبيع الذي بات مرهوناً بتلبية طلباتها ليس إلا. لكن القبول الإسرائيلي للتوجه السعودي نحو القيادة الرسمية الفلسطينية كان مشروطاً على لسان نتنياهو الذي قال: «يجب على الفلسطينيين أن يكونوا جزءاً من اتفاقية التطبيع السعودي – الإسرائيلي، لكن دون أن يكون لهم حق النقض» [«الجزيرة نت»- 22/9/2023] مشيراً إلى أن «اتفاقات السلام» مع العرب لم تنجح في الماضي لأنها قامت على «فكرة خاطئة»، وهي إبرام إتفاقية سلام مع الفلسطينيين أولاً. وهذه ترجمة مبسطة للرؤية الأميركية - الإسرائيلية الموحدة حول آليات مشروع «السلام الإقليمي»، التي تقول بتقديم التطبيع الرسمي العربي على البحث في الملف الفلسطيني، أو على الأقل فك الارتباط بينهما كما جاء في «مبادرة السلام العربية».

■ كانت القيادة الرسمية الفلسطينية جزءاً من الموقف الفلسطيني العام الرافض لـ«صفقة القرن» بأهدافها وآلياتها، وما نتج عنها من اتفاقات في مسار التطبيع. لكن المعضلة تمثلت في عدم تقدمها باتجاه تنفيذ قرارات الإجماع الوطني التي أكدت وجوب القطع مع سياساتها السابقة تجاه عملية التسوية، وحددت هذه القرارات موجبات هذا القطع بدءاً من الخروج من إملاءات «اتفاق أوسلو» السياسية والاقتصادية والأمنية وتبني سياسة جديدة تقوم على رد الإعتبار للبرنامج الوطني الجامع، ومقارعة الاحتلال في الميدان والسياسة، مع ما يتطلبه ذلك من خطوات ملحة على الصعيدين البرنامجي والمؤسسي.

وقد أدت مراوحة القيادة الرسمية عند حدود رفض عناوين الصفقة الأميركية - الإسرائيلية واحتفاظها في الوقت نفسه بخيارها القائم على استعادة مسار التسوية بشروطها السابقة المحكومة بسقف إملاءات أوسلو، إلى أن تعيش حالة من «البطالة السياسية»، في الوقت الذي كان فيه الصراع في ذروة احتدامه ما بين الحركة الجماهيرية الفلسطينية الناهضة وما بين الاحتلال. وهو ما أدى إلى عزلتها عن هذه الحركة من جهة، وزيادة تهميشها في مجرى التحركات الإقليمية النشطة التي تمس مستقبل القضية الفلسطينية، من جهة أخرى. وفي ظل هذا الوضع الذي تعيشه القيادة الرسمية الفلسطينية، جاءت المباحثات السعودية معها بشأن «الملف الفلسطيني» في مسار التطبيع الذي شقته الرياض. 

■ جرت مباحثات فلسطينية - سعودية شارك فيها الرئيس محمود عباس خلال زيارته إلى السعودية - 4/2023، كما وقعت لقاءات عدة بين وفد من السلطة برئاسة حسين الشيخ، وزير الشون المدنية، بالسفير السعودي، نايف السديري، في الأردن، ولقاءات أخرى أجراها الوفد في الرياض - 9/2023. وعشية هذه اللقاءات كان هناك تقدير لدى الأوساط الرسمية الفلسطينية بأن دولة عربية بوزن السعودية، وفي ظل تلهف تل أبيب وواشنطن على التحاقها بركب التطبيع، مؤهلة لأن تضغط من أجل إعادة مسار التفاوض على «حل الدولتين» إلى الحياة، وقد عززت تصريحات مسؤولين سعوديين بأهمية التشاور مع الجانب الفلسطيني اعتقاد أوساط السلطة الفلسطينية بوجود فرصة لتحقيق هذا الهدف. لكن الجانب السعودي وضعهم مباشرة أمام أولوياته في المباحثات مع إدارة بايدن، ومقاربته الجديدة لاعتماد «مبادرة السلام العربية» منطلقاً للحل، من زاوية أن طبيعة الحكم القائم في إسرائيل لا تسمح بمجرد التداول حول قضايا حيوية مثل الدولة والقدس واللاجئين، وأن الشيء المتاح والممكن في ظل هذه الظروف قيام إسرائيل بعدد من الخطوات «المهمة»، التي تحدث «تغييراً» جدياً في حياة الفلسطينيين يخفف معاناتهم، وتعيد الاعتبار لمكانة السلطة الفلسطينية، إلى حين تسمح الظروف بتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني. وكان واضحاً أن الرياض تريد أن تسمع من وفد القيادة الرسمية الفلسطينية طلبات محددة تنضوي تحت سقف مقاربتها الخاصة.

■ وعلى هذا، خرجت هذه المحادثات بالتوافق على فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات، يجري خلالها خلق الأجواء الإيجابية الضرورية لتطبيق «مبادرة السلام العربية» (تسوية انتقالية جزئية)، وتضمن التوافق المطالبة بتطبيق 14 إلتزاماً إسرائيلياً نص عليها «اتفاق أوسلو» ولم تنفذ، من بينها؛ النبضة الثالثة من الانسحاب الإسرائيلي من مناطق الضفة، ويعني تنفيذها تقليص مساحة المنطقة «ج» حسب تقسيمات الاتفاق، والتي تسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل، لصالح توسيع المنطقة «أ» المفترض أنها تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، ووقف الاستيطان، وعدم بناء بؤر استيطانية جديدة، وعدم شرعنة البؤر القائمة، وعدم المس بأموال المقاصة الفلسطينية من قبل إسرائيل، وعدم اقتحام المدن في المناطق المصنفة «أ»، وإطلاق سراح الأسرى المعتقلين القدامى (ما قبل التوقيع على أوسلو). والمؤسف أن معظم هذه الطلبات عرضت سابقاً من قبل إدارة الرئيس أوباما على مرجعية المفاوض الفلسطيني - 2010، كإجراءات تلتزم إسرائيل بالقيام بها ضمن ما سمي بـ«بوادر زرع الثقة»، كي يوافق الجانب الفلسطيني فقط على الدخول مجدداً إلى المفاوضات، وهو يستجديها اليوم لصالح تمرير إتفاق التطبيع الإسرائيلي - السعودي دون أن يضمن أن هذه الطلبات ستجد طريقها للتنفيذ، في ظل حكومة إسرائيلية قائمة على العنصرية والتطرف، وفي ظل إدارة أميركية ورثت الخطوط الرئيسية لسياسات ترامب تجاه القضية الفلسطينية.

■ يضاف إلى قائمة الطلبات، ما هي موجهة إلى الإدارة الأميركية، من بينها؛ إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وشطب اسمها من قائمة الإرهاب، والحفاظ على الوضع الراهن في القدس. والشيء الوحيد الذي نفذته إدارة بايدن هو استئناف الدعم المالي للفلسطينيين الذي شطبته الإدارة السابقة. وفي موازاة قائمة المطالب التي ذكرت، أعلنت الرياض عن تقديم دعم مالي للسلطة بمبلغ 170 مليون$، منها 70 مليوناً للأمن و100 مليون لميزانية السلطة■

(4)

خلاصات

■إرتكبت القيادة الرسمية الفلسطينية خطيئة سياسية مزدوجة؛ أولاً برهانها على تحصيل إنجازات لصالح الحقوق الفلسطينية عبر مسار التطبيع السعودي مع إسرائيل، على الرغم من معرفتها أن هذا المسار هو من أخطر حلقات تطبيق «السلام الإقليمي» على القضية الفلسطينية، والتي وقفت هي ضده في إطار الموقف الفلسطيني العام. وثانياً بقبولها تقزيم المطالب الفلسطينية نزولاً عند مقاربة ولي العهد السعودي لتطبيق «مبادرة السلام العربية».

المؤسف أن القيادة الرسمية وضعت بذلك المطالب الفلسطينية تحت سقف أكثر انخفاضاً من «أوسلو»، لأن الولايات المتحدة وإسرائيل ستتعاملان، مع هذه المطالب التي كانت تندرج ضمناً تحت عنوان الالتزامات الإسرائيلية في الاتفاق وفي سياق التفاوض حول تنفيذه، باعتبارها «قضايا كبرى» ينبغي التفاوض حولها من أجل تحويلها إلى مسائل إدارية بحتة لا تتناقض مع خطة «السلام الاقتصادي»، التي طرحها نتنياهو وتبنتها عملياً الإدارة الأميركية بشقيها الجمهوري والديمقراطي.

يضاف إلى ما سبق أن ماتم التوافق حوله من مطالب بين السعودية والقيادة الرسمية الفلسطينية، بما فيها المرحلة الانتقالية، ستمر حكماً عبر الأطر الإقليمية المؤسسة لاتفاقات شرم الشيخ والعقبة- 26/2 و 19/3/2023 (راجع ص53-57 من كتاب «في مواجهة مخطط الحسم»/ مصدر سبق ذكره)، من أجل وضعها في سياق ترتيبات أمنية وفق الأسس والآليات التي قامت عليها هذه الأطر. وسينعكس ماسبق بشكل كارثي على أية مداولات قادمة بشأن حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وخاصة أن أصواتاً دولية وإقليمية متصاعدة  تحيل ما يجري في قطاع غزة إلى استمرار الاحتلال والحصار وعدم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

■ تنظر إدارة بايدن إلى النجاح في إبرام اتفاق التطبيع كإنجاز دبلوماسي مهم يُسجل لصالح رئيسها، والذي لم يستطع تحقيق إنجازات جادة، وتحقيق ذلك سيصب في مصلحته على ابواب الانتخابات الرئاسية القادمة. ورأى وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن أن الاتفاق يصب في خدمة الأمن القومي الأميركي، باعتباره يعزز الخطة الأميركية لترتيب خارطة منطقة الشرق الأوسط ،على المستوى الجيو استراتيجي والتي بدأت مع اتفاقيات أبراهام، وذلك كجزء من الاستراتيجية الأميركية لبناء تحالف إقليمي في المنطقة. ويساهم الاتفاق برأي الولايات المتحدة في وضع حد للتقارب السعودي - الصيني الذي تطور خلال الأزمة السعودية الأميركية الأخيرة. وترى إسرائيل أن توقيع الاتفاق يساهم في تحسين مكانتها الاستراتيجية على المستوى الإقليمي، ويعمق من شرعيتها، ويفتح المجال لتطوير الاقتصاد الإسرائيلي من خلال زيادة الاستثمارات الاقتصادية المتبادلة بين البلدين. كما يفتح آفاقاً أمام تل أبيب لتوقيع إتفاقيات أخرى مع دول عربية، ويعزز في الوقت نفسه مساعي عزل إيران/ [مهند مصطفى/ مصدر سبق ذكره].

■ يرى محللون أن ولي العهد السعودي بالغ في توقعاته تجاه المنافع التي ستعود على المملكة من وراء التطبيع. ففي المجال الأمني - يضيف المحللون - سيكون للاتفاق الأمني القوي مع الولايات المتحدة استحقاقات عدة؛ أولها مراقبة واشنطن الدائمة لوتيرة العلاقات السعودية مع خصوم أميركا ومنافسيها، وفي المقدمة الصين وروسيا والحد من تطورها، وضبط علاقاتها المستجدة مع إيران تحت سقف الاستراتيجية الأميركية تجاه طهران؛ وسيخلق هذا الاتفاق توجساً لدى شركاء السعودية في مجلس التعاون الخليجي، وبرز ذلك حتى قبل توقيع الاتفاق، فقد أوقفت الإمارات الاتصالات مع الولايات المتحدة المرتبطة بصياغة إتفاق أمني جديد، لترقب ما الذي سيتم الاتفاق عليه بين واشنطن والرياض. ونقلت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية «كان» عن مسؤولين في الإمارات قولهم «في حال منحت الولايات المتحدة تحالفا دفاعياً قوياً للسعودية، فالإمارات سترغب بإقامة تحالف مع ضمانات مشابهة» [i24 NEWS - 3/10/2023].

ومن شأن الاتفاق بشقيه الاقتصادي والسياسي أن يشكل عامل ضغط على السياسة النفطية السعودية منعاً لتكرار تجاوزها المصلحة الأميركية، كما حصل عندما خفضت حصتها من الانتاج في إطار «أوبك»، وسيزداد الضغط الأميركي على الرياض في حال تم تصنيفها كحليف من خارج «الناتو» من أجل أن تأخذ موقفاً أكثر اقتراباً من المواقف الغربية تجاه الحرب في أوكرانيا■

5/10/2023

اخر الأخبار